شرح طلعة الشمس على الألفية
شرح طلعة الشمس على الألفية
* وأما النوع الثاني من الرخصة الحقيقية فنحو إفطار المسافر في رمضان لأجل سفره، وحكم هذا النوع أن الأخذ بالعزيمة فيه أولى، فيندب ترك الرخصة إن لم يخف المسافر بتركها ضعفا في قوته عن طاعة الله، والقيام بأمر الجهاد، وسائر الطاعات، فإن خاف ضعفا عن ذلك ندب له الأخذ بالرخصة لأجل القيام بتلك الطاعات، وإن خاف بترك الرخصة الضرر على نفسه وجب عليه الأخذ بها لوجوب دفع الضرر عن النفس ما أمكن، هذا حكم هذا النوع عندنا، وذهبت الظاهرية إلى ان الصوم في السفر لا يجزئ عن فرض الوقت، ويلزمه القضاء صام أو لم يصم لكونه معلقا بإدراك العدة؛ فيلزمه عند إدراك العدة؛ لأن المعلق بالشرط معدوم قبل وجودالشرط، وهو مذهب باطل؛ لأن المقصود من قوله تعالى: { فمن كان منكم مريضا أو على سفر } (البقرة: 184) بيان الرخصة في جواز الإفطار للمريض والمسافر، وبيان شرع القضاء بعد ذلك، وليس المقصود شرع الأداء من المريض والمسافر حتى يكون أداؤهم معلقا بالعدة في أيام أخر، وأيضا فيلزم من ذلك إبطال شرعية صيام رمضان للمريض والمسافر، فيكون المشروع في حقهما عند الظاهرية صيام رمضان من أيام غير معلومة، وهو باطل، بل المشروع في حق الجميع صيام رمضان، ورخص للمريض والمسافر إفطاره بشرط القضاء.
- وأما الرخصة المجازية: فهي نوعان أيضا:
* أحدهما أتم في المجازية من الآخر لبعده من حقيقة الرخصة، وهو ما حط عنا من الأثقال المشروعة على من قبلنا، كاشتراط قتل نفس التائب في صحة توبته، كما دل عليه قوله تعالى: { فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم } (البقرة: 54)، فإنه رفع عنا هذا الحكم المشروع على من قبلنا، ولم يشترط علينا ذلك، فكان رفعه بالنسبة إلينا رخصة، وكذلك ما رفع عنا من جميع التكاليف الشاقة المشروعة على من قبلنا، كتعين القصاص في العمد والخطأ وقطع الأعضاء الخاطئة وقطع موضع النجاسة، ونحو ذلك مما كانت في الشرائع السالفة، قال بعضهم: روي أن الأصر في بني إسرائيل كان في عشرة أشياء كانت الطيبات محرمة عليهم بالذنوب، وكان الواجب عليهم خمسين صلاة في اليوم والليلة، وزكاتهم ربع المال، ولا يطهر من الجنابة والحدث غير الماء، ولم تكن صلاتهم جائزة في غير المسجد، ويحرم عليهم الأكل في الصوم بعد النوم، وحرم عليهم الجماع بعد العتمة، والنوم كالأكل، وكانت علامة قبول قربانهم إحراقه بنار تنزل من السماء، وحسناتهم بواحدة، ومن أذنب منهم ذنبا بالليل كان يصبح وهو مكتوب على باب داره، وإنما كان هذا النوع رخصة مجازية؛ لأنه لم يستكمل حد الرخصة، فإنه وإن شرع لنا شرعا ثانيا غير الشرع الذي شرع لبني إسرائيل، فإن شرعه لنا ثانيا غير مبني على الإعذار، وإنما هو توسعة وتيسير من جانب الحق تعالى، وحكمه وجوب تركه، فلا يحل لأحد العمل بشيء، فما وضع عنا من تلك التكاليف فالترخص المشروع فيه واجب.
صفحہ 228