شرح طلعة الشمس على الألفية
شرح طلعة الشمس على الألفية
تنقسم العزيمة إلى قسمين: أحدهما مطلوب فعله، والآخر مطلوب تركه، فأما المطلوب فعله فهو الوجوب والندب، وأما المطلوب تركه فهو المحرم والمكروه، وما كان خاليا من طلب الفعل، ومن طلب الترك فذلك مباح، ككسب المعيشة فوق الكسب اللازم، وكالأكل والنوم والشرب ونحو ذلك، فإن العبد يفعله كيف شاء ما لم ينته إلى حد يمنع الشرع فعله، وليس في فعل المباح ثواب ولا عقاب، وكذلك تركه لكن النية معتبرة فيه، فيثاب العبد بفعل المباح إذا نوى به طاعة، كما إذا نوى بالأكل التقوي على فعل الطاعة، وبالنوم كذلك، فإنه يثاب على ذلك بسبب تلك النية، وكذلك يعاقب على فعل المباح إن فسدت نيته فيه، حاصل المقام أن المباح يتحول بالنية، فيكون تارة طاعة وأخرى معصية، لما يعرض عليه من صلاح النية وفسادها، ولذ جعل الإمام الكدمي رضوان الله عليه فعل العبد قسمين: طاعة ومعصية لا يخلو من أحدهما، وليس المراد أن المباح من حيث هو مباح مأمور به مرة، ومنهي عنه أخرى، وإلا لزم أن لا يوجد مباح أصلا، وزعم أبو القاسم البلخي أن المباح مأمور به أيضا؛ لأن فعل المباح ترك حرام، وترك الحرام واجب، وما لا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه، وإذا ثبت وجوبه ثبت أنه مأمور به. وأجيب بأن الإجماع منعقد على انقسام الأحكام إلى واجب ومندوب ومباح ومحظور ومكروه، والقول بوجوبه يبطل هذا التقسيم، وفيه مخالفة الإجماع، ولا بد من بيان الفرق بين الواجب والمندوب، والمحرم والمكروه، فأما الفرق بين بين المحرم والمكروه فسيأتي عند كلام المصنف فيهما، وأما الفرق بين الواجب والمندوب، فهذا محل ذكره.
صفحہ 218