مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
ایڈیٹر
جمال عيتاني
ناشر
دار الكتب العلمية
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1422هـ - 2001م
پبلشر کا مقام
لبنان/ بيروت
( 197 ) ( وعن أبي ثعلبة ) مشهور بكنيته واسمه جرثوم بن ناشر ( الخشني ) بضم المعجمة الأولى وفتح الثانية بطن من قضاعة ، وهو من أهل بيعة الرضوان كذا في التهذيب . وأرسله النبي إلى قومه فأسلموا ونزل بالشام ومات بها سنة خمس وسبعين ، ومروياته أربعون حديثا ( قال : قال رسول الله : ( إن الله فرض فرائض ) بالهمز جمع فريضة بمعنى مفروضة والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية ، وهي ما يترتب على فعله الثواب وعلى تركه العقاب من العبادات ، قال في الصحاح : الفرض ما أوجبه الله سمي بذلك لأن له معالم وحدودا ، واصطلاحا هو ما يمدح فاعله شرعا ويذم تاركه قصدا مطلقا ، ويرادفه الواجب هذا عند الشافعي . وعند أبي حنيفة ما ثبت بدليل قطعي والواجب بدليل ظني كذا في شرح الأربعين . والواجب عندنا فرض عملي أيضا يترتب على تركه العقاب لكن دون عقاب الفرض ، والمقام يناسب المعنى الأعم ، أي أوجب أحكامها مقدرة مقطوعة كالإيمان والإسلام وكالصلاة والزكاة وسائر الفرائض العلمية والعملية سواء يكون من فروض الكفاية أو العينية وسواء أوجبه الله في كتابه أو على لسان رسوله . ( فلا تضيعوها ) بتركها رأسا أو بترك شروطها وأركانها أو بالسمعة والرياء أو بالعجب والغرور . قال بعض المحققين : وعند العارفين هي المعرفة الإلهية التي هي مقصود الخلق كما أشار إليه الحق بقوله تعالى : 16 ( { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ) [ الذاريات 56 ] أي ليعرفون . ولا تحصل المعرفة غالبا إلا بالمجاهدة وهي تزكية النفس عن ظلمة أخلاقها ، وتخليتها عن أوصاف الرذائل ، وتحليتها بأنوار الفضائل كالتوبة والتقوى والزهد والإستقامة وسائر الأخلاق الحميدة ، والإرتقاء من حال إلى حال ، والتصاعد من مقام إلى آخر حتى تنجلي شمس صفات الجلال وتظهر طوالع أنوار الجمال ، ويستولي سلطان الحقيقة على ممالك الخليقة ، ويطوى بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود ؛ فما بقي الأرض ولا السماء ولا الظلمة ولا الضياء ، وتلاشى العبد في كعبة العندية ، ونودي بفناء الفناء من عالم البقاء ، رفعت القبلة ، وما بقي إلا الله 16 ( { فأينما تولوا فثم وجه الله } ) [ البقرة 115 ] وهذا حال السالك المجذوب أو المجذوب السالك ، ومعنى الجذبة أنه يناجي المجذوب من أمر الملكوت ما يدهش عقله ويأخذه عن نفسه . ( وحرم حرمات ) أي محرمات من المعاصي ، وفي الأربعين للنووي : ( وحرم أشياء ) ، أي كالميتة والدم ( فلا تنتهكوها ) أي لا تقربوها فضلا عن أن تتناولوها كما قال تعالى : 16 ( { ولا تقربوا الزنا } ) [ الإسراء 32 ] وقال في الصحاح انتهاك الحرمة تناولها بما لا يحل ، وقيل : الإنتهاك خرق محارم الشرع كذا ذكره السيد جمال الدين وقال ميرك : وهو عند الطائفة الصوفية متابعة الشيطان والهوى والإقبال على الدنيا والإعراض عن العقبى ، إذ يجب أن ينقطع المحب عن كل مطلوب بل ينقطع عما سوى المحبوب . ( وحد حدودا ) أي بين وعين حدودا في المعاصي من القتل والضرب ( فلا تعتدوها ) أي لا تتجاوزوا عن الحد لا بالزيادة ولا بالنقصان قال في النهاية : الحدود هي محارم الله تعالى وعقوباتها التي قرنها بالذنوب ، وأصل الحد المنع والفصل بين الشيئين ، فكأن حدود الشرع فصلت بين الحلال والحرام ؛ فمنها ما لا يقرب كالفواحش المحرمة ومنه قوله تعالى : 16 ( { تلك حدود الله فلا تقربوها } ) [ البقرة 187 ] ومنها ما لا تتعدى كالمواريث المعينة وتزويج الأربعة ومنه قوله تعالى : 16 ( { تلك حدود الله فلا تعتدوها } ) [ البقرة 229 ] والتلخيص أن حدود الله ما منع من مخالفتها بعد أن قدرها بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة ومنه تعيين الركعات والأوقات وما وجب إخراجه في الزكوات وإثباتها في الحج وحدود العقوبات ، فكأنه تقرير وتأكيد للقسمين المتقدمين . هذا وفي كلام الصوفية أن العبد يتقلب في جميع الأوقات على الحدود ولكل عمل حد ولكل وقت حد ولكل حال ومقام حد ، فمن تخطاها فقد ضل سواء السبيل . ( وسكت عن أشياء ) أي ترك ذكر أشياء ، أي حكمها من الوجوب والحرمة والحل ( من غير نسيان ) بل من رحمة وإحسان ، وفي الأربعين : ( رحمة لكم غير نسيان بنصب رحمة على العلة ونصب غير على الحالية . والنسيان هو ترك الفعل بلا قصد بعد حصول العلم بخلاف السهو . ( فلا تبحثوا عنها ) أي لا تفتشوا عن تلك الأشياء ، دل على أن الأصل في الأشياء الإباحة كقوله تعالى : 16 ( { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } ) [ البقرة 29 ] .
هذا وقال بعض العارفين : أعلم أن الله تعالى تجلى على عامة عباده بأفعاله وآياته المنبثة في أرضه وسمائه ، ولخواص أصفيائه بصفاته العظمى ، ولأعظم أنبيائه بذاته وحقائق صفاته ، وخصه بذلك دون غيره من عرفانه رحمة لهم غير نسيان ، إذ ما قام عظيم عند عظمته إلا كل وزل ، ولا استقام كبير دون كبريائه إلا هام وقام كما قال جل جلاله وعم نواله : لا يراني حي إلا مات ولا يابس ألا تدهده ولا رطب إلا تفرق ، وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم ، ولذا قال : فلا تبحثوا عنها ، أي لا تتفكروا فيها ؛ فإن الباب إلى وصول معرفة كنه الذات مردود والطريق إلى كنه الصفات مسدود ، تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في ذات الله :
العجز عن درك الإدراك إدراك
والبحث عن سر ذات الرب إشراك
( روى الأحاديث الثلاثة الدارقطني ) وقال النووي في الأخير حديث حسن رواه الدارقطني وغيره .
صفحہ 404