مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
ایڈیٹر
جمال عيتاني
ناشر
دار الكتب العلمية
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1422هـ - 2001م
پبلشر کا مقام
لبنان/ بيروت
( 181 ) ( وعن أنس ) رضي الله عنه ( أن رسول الله كان يقول : ) فيه إشارة إلى التكرار والإستمرار ( ( لا تشددوا على أنفسكم ) أي بالأعمال الشاقة كصوم الدهر وإحياء الليل كله واعتزال النساء لئلا تضعفوا عن العبادة وأداء الحقوق والفرائض ( فيشدد الله عليكم ) بالنصب جواب النهي ، أي يفرضها عليكم فتقعوا في الشدة ، أو بأن يفوت عليكم بعض ما وجب عليكم بسبب ضعفكم من تحمل المشاق كذا قاله الشراح . والظاهر أن المعنى لا تشددوا على أنفسكم بإيجاب العبادات الشاقة على سبيل النذر أو اليمين فيشدد الله عليكم فيوجب عليكم بإيجابكم على أنفسكم فتضعفوا عن القيام بحقه وتملوا وتكسلوا وتتركوا العمل فتقعوا في عذاب الله تعالى ، وهذا المعنى هو الملائم للتعليل بقوله ( فإن قوما ) أي من بنى إسرائيل ( شددوا على أنفسهم ) بالعبادات الشاقة والرياضات الصعبة والمجاهدات التامة فشدد الله عليهم بإتمامها والقيام بحقوقها ، وقيل : شددوا حين أمروا بذبح بقرة فسألوه عن لونها وسنها وغير ذلك من صفاتها ( فشدد الله عليهم ) بأن أمرهم بذبح بقرة على صفة لم توجد على تلك الصفة إلا بقرة واحدة لم يبعها صاحبها إلا بملء جلدها ذهبا ، ويؤيد المعنى الأول ما سيأتي من قوله ( فتلك ) الفاء للتعقيب ، وتلك إشارة إلى ما في الذهن من تصور جماعة باقية من أولئك المشددين بقيت في الصوامع يفسرها قوله ( بقاياهم ) أي بقايا قوم شددوا على أنفسهم ( في الصوامع ) جمع صومعة وهي موضع عبادة الرهبان من النصارى ، قيل : هو بناء صغير على شكل دائرة ( والديار ) جمع الدير وهو الكنيسه وهي معبد اليهود ، قيل : وهو بناء وسيع فيه محل العبادة وباقيه لنحو نزول المارة وإيواء الغريب ( رهبانية ) نصب بفعل يفسره ما بعده ، أي ابتدعوا رهبانية ( ابتدعوها ) يقال ابتدع إذا أتى بشيء بديع ، أي جديد لم يفعله قبله أحد ، والرهبانية بالفتح الخصلة المنسوبة إلى الرهبان وهو الخائف فعلان من رهب رهبة أي خاف ، وبالضم نسبة إل الرهبان جمع راهب ، وفي الآية قرئت بالضم شاذا ، وقيل : الرهبة الخوف والمبالغة في العبادة والرياضة والإنقطاع عن الناس ، ويطلق على عبادة الرهبان وهو جمع الراهب ، أي عابد النصارى وهي ما يفعلون من تلقاء أنفسهم ( ما كتبناها ) أي ما فرضنا تلك الرهبانية ( عليهم ) من ترك التلذذ بالأطعمة وترك التزوج والإعتزال عن الناس والتوطن في رؤوس الجبال والمواضع البعيدة عن العمران ، والإقتصار على هذا يدل على أن الإستثناء فيما بعده وهو قوله تعالى ( إلا ابتغاء رضوان الله ) استثناء منقطع ، أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله قال تعالى : [ أي ] { فما رعوها حق رعايتها } [ / أي ] أي لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها وكفروا بدين عيسى فتهودوا وتنصروا ودخلوا في دين ملوكهم وتركوا الترهب وأقام منهم أناس على دين عيسى عليه الصلاة والسلام حتى أدركوا محمدا فآمنوا به فذلك قوله عز وجل : [ أي ] { فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون } [ / أي ] كذا في المعالم ( رواه أبو داود ) .
صفحہ 389