208

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

ایڈیٹر

جمال عيتاني

ناشر

دار الكتب العلمية

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

1422هـ - 2001م

پبلشر کا مقام

لبنان/ بيروت

وهذا فيما بينهم وبين الله ( والسمع ) أي وبسمع كلام الخليفة والأئمة ( والطاعة ) لمن يلي أمركم من الأمراء ما لم يأمر بمعصية عادلا كان أو جائرا وإلا فلا سمع ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، لكن لا يجوز محاربته بتة . ( وإن كان ) أي المطاع ، يعني من ولاه الإمام عليكم ( عبدا حبشيا ) فأطيعوه ولا تنظروا إلى نسبه بل اتبعوه على حسبه ، ولفظ الأربعين : ( وإن تأمر عليكم عبد ) ، أي صار أميرا أدنى الخلق فلا تستنكفوا عن طاعته ، أو ولو استولى عليكم عبد حبشي فأطيعوه مخافة إثارة الفتن ، فعليكم بالصبر والمداراة حتى يأتي أمر الله ، وقيل : هذا وارد على سبيل الحث والمبالغة على طاعة الحكام لا التحقيق كما قال عليه الصلاة والسلام : ( من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ) ، وقيل : ذكر على سبيل المثل إذ لا تصح خلافته لقوله عليه الصلاة والسلام الأئمة من قريش ، قلت : لكن تصح إمارته مطلقا وكذا خلافته تسلطا كما هو في زماننا في جميع البلدان ، وكأن ذكر الحبشي لكونه الغالب في ذلك الزمن وإلا فغيره كالزنجي أخس منه فكان أنسب بالغاية ، أو المراد بالحبشي العبد الأسود فيشمل الزنجي والهندي ثم التركي يعلم بالأولى . ( فإنه ) أي الشأن ، وفي الأربعين وإنه بالواو ( من يعش ) بالجزم ، وفي الأربعين بالرفع ( منكم بعدي ) قال الطيبي : الفاء للسببية جعل ما بعدها سببا لما قبلها ، يعني من قبل وصيتي والتزم تقوى الله وقبل طاعة من ولى عليه ولم يهيج الفتن أمن بعدي مما يرى من الإختلاف الكثير وتشعب الآراء ووقوع الفتن . ا ه . وكتب السيد جمال الدين تحته : وفيه وما زاد عليه ووجه نظره ظاهر من وجهين ، أحدهما عدم ظهور وجه السببية ، وثانيهما عدم وجود الأنسبية بل الفاء للتفريع ، والمعنى : الزموا ما قلت لكم فإنه من يعش منكم بعدي لا مخلص له إلا نصيحتي ( فسيرى اختلافا كثيرا ) أي من ملل كثير كل يدعي اعتقادا غير اعتقاد الآخر إشارة إلى ظهور أهل البدع والأهواء ، أو اختلافا على الملك وغيره كثيرا يؤدي إلى الفتن وظهور المعاصي وولاية الإخساء حتى العبيد . ( فعليكم بسنتي ) اسم فعل بمعنى الزموا ، أي بطريقتي الثابتة عني واجبا أو مندوبا ( وسنة الخلفاء الراشدين ) فإنهم لم يعملوا إلا بسنتي ؛ فالإضافة إليهم إما لعملهم بها ، أو لإستنباطهم واختيارهم إياها ( المهديين ) أي الذين هداهم الله إلى الحق ، قيل : هم الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم لأنه عليه الصلاة والسلام قال : الخلافة بعدي ثلاثون سنة وقد انتهى بخلافة علي كرم الله وجهه ، قال بعض المحققين : ووصف الراشدين بالمهديين لأنه إذا لم يكن مهتديا في نفسه لم يصلح أن يكون هاديا لغيره لأنه يوقع الخلق في الضلالة من حيث لا يشعر ، وهم الصديق والفاروق وذو النورين وأبو تراب علي المرتضى رضي الله عنهم أجمعين ، لأنهم لما كانوا أفضل الصحابة وواظبوا على استمطار الرحمة من السحابة النبوية ، وخصهم الله بالمراتب العلية والمناقب السنية ، ووطنوا أنفسهم على مشاق الأسفار ومجاهدة القتال مع الكفار ، أنعم الله عليهم بمنصب الخلافة العظمى والتصدي إلى الرياسة الكبرى ، لإشاعة أحكام الدين وإعلاء أعلام الشرع المتين ، رفعا لدرجاتهم وازديادا لمثوباتهم ، فخلف الصديق بإجماع الصحابة سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام لحلمه ووقاره وسلامة نفسه ولين جانبه والناس متحيرون والأمر غير ثابت ، فحمى بيضة الدين ودفع غوائل المرتدين وجمع القرآن وفتح بعض البلدان ، ثم استخلف الفاروق لأن الأمر مستقر والقوم مطيع والفتن ساكنة ، فرفع رايات الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها وفتح أكثر أقاليم الأرض ، لأنه كان في غاية الصلابة وكمال الشهامة ومتانة الرأي وحسن التدبير ، وخلافته عشر سنين وستة أشهر وعشر ليال . ثم بويع لعثمان لشوكة أقاربه وبسط أيدي بني أمية في حكومة الأطراف زمن عمر ، فلو نصب غيره لوقع الخلاف ، فأظهر في مدة اثنتي عشرة سنة مساعي جميلة في الإسلام ، وجمع الناس على مصحف واحد بعدما كانوا يقرؤن بقراآت مختلفة على حسب السماع وبعث به إلى الآفاق ولذا نسب المصحف إليه وجعل إماما . ثم بويع بعده لعلي المرتضى لأنه أفضل الصحابة بعدهم وسيد بني هاشم ما خلا رسول الله ، فلو لم تقع الخلافة على الترتيب المذكور لحرم واحد من ذلك المنصب المشكور ؛ ولا يخفي إن هذا من جملة معجزاته عليه الصلاة والسلام الدال على صدق نبوته لأنه استبد بذكر هذا الغيب وقال : ( الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا عضوضا ) ووقع كما قال ، قال التوربشتي : وأما ذكر سنتهم في مقابلة سنته لأنه علم أنهم لا يخطئون فيما يستخرجون من سنته ، أو أن بعضها ما اشتهر إلا في زمانهم وليس المراد انتفاء الخلافة عن غيرهم حتى ينافي قوله عليه الصلاة والسلام : ( يكون في أمتي اثنا عشر خليفة ) بل المراد تصويب رأيهم وتفخيم أمرهم ، وقيل : هم ومن على سيرتهم من أئمة الإسلام المجتهدين في الأحكام فإنهم خلفاء الرسول عليه الصلاة والسلام في إحياء الحق وإرشاد الخلق وإعلاء الدين وكلمة الإسلام . ( تمسكوا بها ) أي بالسنة ( وعضوا ) بفتح العين ( عليها ) أي على السنة ( بالنواجذ ) جمع ناجذة بالذال المعجمة ، وهي الضرس الأخير ، وقيل : هو مرادف السن ، وقيل : هو الناب . قال الماوردي : إذا تكاملت الأسنان فهي ثنتان وثلاثون ؛ منها أربعة ثنايا وهي أوائل ما يبدو للناظر من مقدم الفم ، ثم أربع رباعيات ، ثم أربع أنياب ، ثم أربع ضواحك ، ثم اثنا عشر أضراس وهي الطواحن ، ثم أربع نواجذ وهي أواخر الأسنان ، كذا نقله الأبهري . والصحيح أن الأضراس عشرون شاملة للضواحك والطواحن والنواجذ والله أعلم .

والعض كناية عن شدة ملازمة السنة والتمسك بها ؛ فإن من أراد أن يأخذ شيئا أخذا شديدا يأخذه بأسنانه ، أو المحافظة على هذه الوصية بالصبر على مقاساة الشدائد كمن أصابه ألم لا يريد أن يظهر فيشتد بأسنانه بعضها على بعض . قال بعض المحققين : هذه استعارة تمثيلية ؛ شبه حال المتمسك بالسنة المحمدية بجميع ما يمكن من الأسباب المعينة عليه بحال من يتمسك بشيء بيديه ثم يستعين عليه بأسنانه استظهارا للمحافظة في ذلك ، لأن تحصيل السعادات الحقيقية بعد مجانبة كل صاحب يفسد الوقت وكل سبب يفتن القلب منوط باتباع السنة بأن يمتثل الأمر على مشاهدة الإخلاص ويعظم النهي على مشاهدة الخوف ، بل باقتفاء آثار الرسول في جميع موارده ومصادره وحركاته وسكناته ويقظته ومنامه حتى يلجم النفس بلجام الشريعة ، ويتجلى في القلب حقائق الحقيقة بتصقيله من مفاتح الأخلاق وتنويره بأنوار الذكر والمعرفة والوفاق ، وتعديله بإجراء جميع حركات الجوارح على قانون العدل حتى يحدث فيه هيئة عادلة مسنونة من آثار الفضل يستعد لقبول المعارف والحقائق ، ويصلح أن ينفخ فيه روح الله المخصوص بسلاك أحسن الطرائق . هذا وقيل : تمسكوا وعضوا فعلا ماض صفتان للخلفاء . ( وإياكم ومحدثات الأمور ) عطف على قوله : ( فعليكم ) للتقرير والتوكيد ، أي احذروا عن الأمور التي أحدثت على خلاف أصل من أصول الدين واتقوا أحداثها ( فإن كل محدثة بدعة ) أي في الشريعة ( وكل بدعة ) بنصب كل ، وقيل : برفعه ( ضلالة ) إلا ما خص وقد تقدم ( رواه أحمد وأبو داود والترمذي ) وقال حديث حسن صحيح . ( وابن ماجه إلا أنهما ) أي الترمذي وابن ماجة ( لم يذكرا الصلاة ) أي لم يوردا أول الحديث وهو قول العرباض : ( صلى بنا رسول الله ) بل قالا : ( وعظنا ) كما في المصابيح فإنه افتتح بقوله : ( وعظنا رسول الله ) .

صفحہ 374