194

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

ایڈیٹر

جمال عيتاني

ناشر

دار الكتب العلمية

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

1422هـ - 2001م

پبلشر کا مقام

لبنان/ بيروت

( 150 ) ( وعن أبي موسى قال : قال رسول الله : ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم ) الهدى الدلالة على الخير مطلقا ، أو الموصلة إلى الحق . ومن الأول قوله تعالى : 16 ( { وأما ثمود فهديناهم } ) [ فصلت 17 ] ، ومن الثاني قوله تعالى [ أي ] : { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } ) [ القصص 56 ] والمراد بالعلم هنا الظاهر والخفي ، والهدى وسيلة إلى العلم فلذا قدمه . وفي العوارف العلم جملة موهبة من الله للقلوب ، والمعرفة تمييز تلك الجملة والهدى وجدان القلوب ذلك ، وقيل : العلم صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض ، وعطفه على الهدى إما لرجوعه للنفس ورجوعها للغير ، أو لأنها الدلالة والعلم المدلول ، أو المراد منها الطريقة والعمل ، ومن ثم ورد من : ( ازداد علما ولم يزدد هدى ) أي قربا من الله ( لم يزدد من الله إلا بعدا ) ( كمثل الغيث ) أي المطر الكثير ، واختار اسم الغيث ليؤذن باضطرار الخلق إليه إذ جاءهم على فترة من الرسل ، والغيث يحيي البلد الميت ، والعلم يحيي القل الميت . ( أصاب أرضا ) أي صالحة ، والجملة صفة للغيث على تقدير أن تكون اللام فيه للجنس ، أو زائدة ويجوز أن تكون حالا . ( فكانت منها ) أي من تلك الأرض ( طائفة ) أي قطعة ، ومنها صفة طائفة قدمت عليها فصارت حالا ( طيبة ) أي غير خبيثة بسباخ ونحوه ، قال النووي : طائفة طيبة كذا في جميع نسخ مسلم ، ووقع في البخاري : ( فكانت منها نقية ) بنون فقاف مكسورة فتحتية مشددة ، وهي بمعنى طيبة . ا ه . وقال ابن حجر : وروى غير ذلك مما لا يصح هنا . ا ه . وطيبة مرفوعة على أنها صفة طائفة ، وقوله : ( قبلت الماء ) أي دخل الماء فيها للينها ، منصوبة بخبر ( كانت ) ، وقيل : هي منصوبة على أنها خبر ( كانت ) وقبلت الماء صفة لطيبة ، ويجري هذا الخلاف في لفظ ( أجادب ) . وقال ابن حجر : ورواية ( قيلت ) بالتحتية المشددة ، قيل : لتصحيف ، وقيل : صحيحة ، ومعناه شربت من القيل وهو شرب بعض الأنهار . ( فأنبتت الكلأ ) بالهمز مفتوحتين مقصورا ( والعشب الكثير ) هما مع الحشيش اسماء للنبات ، لكن الحشيش مختص باليابس والعشب بالضم ، والكلأ مقصورا مختصان بالرطب ، والكلأ بالهمز على زنة جبل يقع على اليابس والرطب ؛ فالكلأ بالهمز أنسب ليكون عطف الأخص على الأعم للإهتمام بشأنه . ( وكانت منها ) أي من الأرض الصالحة ، أو من الأرض الطيبة ( أجادب ) كذا في رواية الجمهور بالجيم والدال المهملة بعدها باء موحدة جمع أجدب ، وهي الأرض الصلبة التي تمسك الماء من الجدب وهو القحط ، سماها أجادب لأنها لصلابتها لا تنبت . وفي رواية أبي ذر : ( إخاذات ) بكسر الهمزة والخاء والذال المعجمتين وآخره مثناة من فوق قبلها ألف جمع إخاذة ، وهي الأرض التي تمسك الماء ، قال ابن حجر : وصوبه بعضهم وروى أجاذب بجيم وذال معجمة ، ومعناه قريب من الأول ، وفيه روايات أخر مردودة . ( أمسكت ) أي تلك الأرض ، أو الأجادب ( الماء فنفع الله بها ) أي بالأجادب ، أو بتلك الأرض ( الناس فشربوا وسقوا ) أي دوابهم ، قال ابن حجر : ويجوز أسقوا ، قلت : لا يجوز لأنه غير وارد وتجويز اللغوي غير مراد ( وزرعوا ) قال النووي في جميع نسخ مسلم : ( ورعوا من الرعي ) ، ووقع في البخاري ( زرعوا ) وكلاهما صحيح . ا ه . وفي جميع نسخ المشكاة ( زرعوا ) موافقا لما في البخاري وهو الأولى بأن يكون أصلا ، وقال ابن حجر : ( ورعوا ) من الرعي ، ورواية : ( وزرعوا ) قيل : تصحيف ، وأجيب بأن المراد به زرعوا به غير تلك الأرض . ا ه . وفيه أنه لا يظهر ربط بين السؤال والجواب . ثم قال : وهذا بناء على أن رواية ( رعوا ) تشويش النشر لأن الشرب والسقي للقسم الثاني ، والرعي للقسم الأول . قلت : لا مانع من أن يكون القسم الثاني جامعا للثلاث مع أنه يلزم من حصول الزرع وصول الرعي بخلاف العكس ، وفيه إشارة إلى أن أهل القسم الثاني مرزقون من جميع النعم منفقون على غيرهم فهم كاملون مكملون على ما يدل عليه قوله : ( فنفع الله بها الناس ) ، بخلاف أهل القسم الأول ويكون التقسيم ترقيا ثم تدليا . ( وأصاب ) أي الغيث ( منها ) أي من الأرض ( طائفة ) أي قطعة ( أخرى إنما هي ) تلك الطائفة ( قيعان ) بكسر القاف جمع قاع وهي الأرض المستوية ( لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ) لأنها سبخة ( فذلك ) أي المذكور من أنواع الأرض ( مثل من فقه ) بضم القاف وكسرها والمشهور الضم إذا فهم وأدرك الكلام ، والضم أجود لدلالته على أن الفقه الشرعي صار سجية له . ( في دين الله ونفعه الله بما بعثني الله به ) أي بالعمل ( فعلم وعلم ) بتشديد اللام ، هذا مثل الطائفة الأولى التي قبلت الماء وأنبتت الكلأ ، فقبول الماء إشارة إلى العلم وإنبات الكلأ إشارة إلى التعليم كذا قاله ابن الملك . ( ومثل من لم يرفع بذلك ) أي بما بعثني الله به ( رأسا ) أي للتكبر كما في نسخة ، يقال : لم يرفع فلان رأسه بهذا ، أي لم يلتفت إليه من غاية تكبره ، قال ابن الملك : عدم رفع رأسه بالعلم كناية عن عدم الإنتفاع به لعدم العمل ، أو الإعراض عنه إلى حطام الدنيا ، وهذا مثل الطائفة التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ . ( ولم يقبل هدى الله ) بضم الهاء وفتح الدال ( الذي أرسلت به ) ) قال الطيبي : عطف تفسيري ، وفي الحديث إشارة إلى أن الإستعدادات ليست بمكتسبة بل هي مواهب ربانية وكمالها أن تستفيض من مشكاة النبوة فلا خير فيمن يشتغل بغير الكتاب والسنة ، وإن الفقيه من علم وعمل . قال المظهر : ذكر في تقسيم الأرض ثلاثة ، وفي تقسيم الناس قسمين من فقه ومن أبى ولم يرفع ، وذلك لأن القسم الأول والثاني من الأرض كقسم واحد من حيث أنه منتفع به ، وكذلك الناس قسمان من يقبل العلم وأحكام الدين ومن لم يقبلهما ، وأما في الحقيقة فالناس على ثلاثة أقسام : أحدها من يقبل بقدر ما يعمل به ولا يبلغ درجة الفتوى والتدريس ، وثانيها من يبلغهما ، وثالثها من لا يقبل العلم ، قال الطيبي : اتفق الشارحون على الوجه الثاني ، والحديث ينصر الأول ، فعلى هذا ذكر في الحديث الطرفان العالي في الإهتداء والغالي في الضلال ، وترك قسمان من انتفع بالعلم في نفسه ومن لم ينتفع في نفسه ولكن نفع في غيره . ا ه . وجعل الخطابي القسمة ثنائية بجعل العلماء قسما والجهلاء قسما ، وقال النووي : دلالة اللفظ على كون الناس ثلاثة أنواع غير ظاهرة . ا ه .

صفحہ 352