193

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

ایڈیٹر

جمال عيتاني

ناشر

دار الكتب العلمية

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

1422هـ - 2001م

پبلشر کا مقام

لبنان/ بيروت

( 149 ) ( وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله : مثلي ) أي صفتي العجيبة الشأن معكم أيها الأمة أو مع الناس ( كمثل رجل استوقد ) أي أوقد وزيدت السين للتأكيد ( نارا ) أي عظيمة ( فلما أضاءت ) الإضاءة فرط الإنارة يتعدى ولا يتعدى وههنا متعد ، ويجوز أن يكون لازما وفاعله ( ما حولها ) والتأنيث باعتبار الأماكن ، قال زين العرب : ولك أن تجعل ما مزيدة أو بدلا من الضمير في ( أضاءت ) وفي كل منهما نظر وقوله : ( ما حولها ) رواية مسلم ؛ فالضمير للنار أي أضاءت النار جوانب تلك النار ، وفي رواية البخاري : ( ما حوله ) فالضمير للمستوقد كذا ذكره الطيبي . وما ظهر لي وجه عدول صاحب المشكاة إلى رواية مسلم من رواية البخاري مع كونها أصح ومع ثبوت موافقتها للفظ القرآن الأفصح ودلالتها على المقصود بالطريق الأوضح مع قوله في آخر الحديث ، هذه رواية البخاري ، فتأمل فإنه محل خطل . ( جعل ) أي شرع ( الفراش ) هو بفتح الفاء دويبة طير تتساقط في النار يقال : بالفارسي يروانة ( وهذه الدواب ) قيل : عطف تفسير للفراش ، وأنثه نظرا لخبره ، أو لكون الفراش اسم جنس كقوله تعالى : 16 ( { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي } ) [ النحل 68 ] وقال ابن الملك : إشارة إلى غير الفراش ( التي تقع في النار ) أي عادتها إلقاء نفسها في النار كالبق والبعوض . ا ه . هو غير ظاهر نعم الجراد بعضه كذلك . ( يقعن ) أي الفراش والدواب ( فيها وجعل ) أي المستوقد ( يحجزهن ) بضم الجيم ، أي يمنعهن من الوقوع فيها ، قال الأبهري : وفي رواية البخاري يزعهن بالتحتانية والزاي وضم المهملة أي يدفعهن ( ويغلبنه ) أي للوقوع فيها ( فيتقحمن فيها ) أي يدخلن فيها بشدة ومزاحمة ، قيل : التقحم هو الدخول في الشيء من غير روية ويعبر به عن الهلاك وإلقاء النفس في الهلاك ، وقال الطيبي : التقحم الإقدام والوقوع في أمر شاق . ( فأنا ) الفاء فصيحة ، أي إذا صح هذا التمثيل بأني كالمستوقد وأنتم كالفراش فيما ذكر فأنا ( آخذ ) قال النووي : يروى على وجهين أحدهما اسم فاعل بكسر الحاء وتنوين الذال ، والثاني فعل مضارع بضم الخاء والأول أشهر وهما صحيحان ( بحجزكم ) بضم الحاء وفتح الجيم بعدها زاي جمع الحجزة وهي معقد الإزار . ومن السراويل موضع التكة ، قال الأبهري : ويجوز ضم الجيم في الجمع ( عن النار ) وإنما خص الحجز لأن محل الزنا الذي هو أفحش الفواحش تحتها ، أو لأن أخذ الوسط أقوى وأوثق من الأخذ بأحد الطرفين في التبعيد كذا ذكره ابن الملك ، والأول بعيد . ( وأنتم تقحمون فيها ) من باب التفعل بحذف إحدى التاءين ، وفي نسخة صحيحة : ( تقتحمون ) من باب الإفتعال ( هذه ) أي هذه الألفاظ ، أو ما ذكر من أول الحديث إلى هنا ، والتأنيث باعتبار الخبر ، وفي نسخة ( هذا ) ، أي هذا اللفظ . ( رواية البخاري ولمسلم نحوها ) أي رواية البخاري معنى ، وفي شرح ابن حجر مثلها وهو غير صحيح رواية ودراية ( وقال ) أي مسلم ( في آخرها ) أي آخر روايته ( قال : ) أي النبي ( فذلك ) أي المثل المذكور ، ( مثلي ومثلكم ) قال ابن حجر : هذا تأكيد احتيج إليه لطول الكلام وإلا فهو معلوم من أوله كقوله : ( أنا آخذ ) ا ه . والظاهر أنه بيان للفرق بين الروايتين ، وبيانه أن رواية البخاري : ( فأنا آخذ ) الخ ورواية مسلم : ( فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ ) الخ ، وقوله : ( أنا آخذ ) بالوجهين ( بحجزكم ) أي للتبعيد ( عن النار ) وأقول : ( هلم عن النار هلم عن النار ) كرر لفرط الاهتمام ، والمعنى : اسرعوا إلي وابعدوا أنفسكم عن النار ، قال الخليل : أصله لم ، أي لم أنفسكم إلينا بالقرب منا وها للتنبيه ، وإنما حذف ألفها لكثرة الإستعمال ، وجعلا اسما واحدا يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث في لغة أهل الحجاز وبها جاء القرآن ، وقيل أصله : هل أم ، أي هل لك في كذا أم بفتح الهمزة ، أي قصد فركب الكلمتان ، وفيه أنه لم يظهر وجه ضم اللام ، وقيل : معناه أقرب إلينا وأبعد عن النار ، فالخطاب عام ، ومحل هلم نصب على الحال ، أي آخذ بحجزكم وأمنعكم قائلا : هلم . ( فتغلبوني ) النون مشددة إذ أصله تغلبونني فأدغم نون الجمع في نون الوقاية ، وأغرب ابن حجر حيث قال : بإدغام نون الرفع في نون التأكيد . ا ه . وروي بتحفيفها على حذف إحدى النونين ، واختار الشاطبي حذف الأخيرة ، قال الطيبي : الفاء للسببية على التعكيس كاللام في 16 ( { ليكون لهم عدوا } ) ( تقحمون ) أي تتقحمون ( فيها ) ) وهو حال عن فاعل تغلبوني ، وقيل : بدل مما قبله . قال الطيبي : وقد ضرب رسول الله المثل بوقوع الفراش في النار لجهله بما يعقب التقحم فيها من الإحتراق ولتحقير شأنها ، قال : وهذه الدواب كقوله تعالى : 16 ( { ماذا أراد الله بهذا مثلا } ) [ البقرة 26 ] وتخصيص ذكر الدواب والفراش لا يسمى دابة عرفا لبيان جهلها كقوله تعالى : 16 ( { إن شر الدواب عند الله } ) الآية [ الأنفال 22 ] كل ذلك تعريض لطالب الدنيا المتهالك فيها جعل عليه الصلاة والسلام المهلكات نفس النار وضعا للسبب موضع المسبب كقوله تعالى : 16 ( { في بطونهم نارا } ) [ النساء 10 ] وشبه إظهاره بمحارم الله ونواهيه ببياناته الشافية الكافية من الكتاب والسنة باستيقاد الرجل النار ، وشبه فشو ذلك الكشف في مشارق الأرض ومغاربها بإضاءة تلك النار ما حول المستوقد ، وشبه الناس وعدم مبالاتهم بذلك البيان والكشف وتعديهم حدود الله وحرصهم على اللذات ومنع رسول الله إياهم بأخذ حجزهم بالفراش التي يتقحمن في النار ويغلبن المستوقد ، وكما أن غرض المستوقد هو انتفاع الخلق به من الإهتداء والإستدفاء وغير ذلك والفراش لجهلها جعلته سببا لهلاكها ، كذلك كان القصد بتلك البيانات اهتداء تلك الأمة واحتماءها عما هو سبب هلاكهم وهم مع ذلك لجهلهم جعلوها موجبة لترديهم ، وفي قوله : ( آخذ بحجزكم ) استعارة مثلت حاله في منع الأمة عن الهلاك بحال رجل آخذ بحجزة صاحبه الذي يهوي في قعر بئر مردية ( متفق عليه ) فيه أن هذا مستغنى عنه بما سبق ، فإيراده لمجرد التأكيد على أن المراد بالإتفاق هنا بحسب المعنى في الأكثر .

صفحہ 350