192

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

ایڈیٹر

جمال عيتاني

ناشر

دار الكتب العلمية

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

1422هـ - 2001م

پبلشر کا مقام

لبنان/ بيروت

( 148 ) ( وعن أبي موسى قال : قال رسول الله : إنما مثلي ) المثل بفتحتين الصفة العجيبة ، وهو في الأصل بمعنى المثل الذي هو النظير . ثم استعير للقول السائر الممثل مضربه بمورده وذلك لا يكون إلا قولا فيه غرابة من قصة وحال وصفة ( ومثل ما بعثني الله به ) أي إلى أمتي ، وقيل : ما بمعنى من ، أي من أرسلني إليه ( كمثل رجل ) قيل : هذا من التشبيهات المفروقة ، وهي أن يؤتي بمشبه ومشبه به ثم بآخر وآخر وسيأتي بيانه . ( أتى قوما ) أي لينذرهم بقرب عدوهم منهم ، وإنهم لا قدرة لهم على لقائه ، وإنما الذي ينجيهم منه إنهم يهربون عنه ، وذلك الرجل من أجلتهم وأمين في أخباره عندهم ، ( فقال : يا قوم إني رأيت ) أي أبصرت ( الجيش ) أي العسكر الكثير المتوجه إليكم ( بعيني ) للتأكيد ، ودفع توهم المجاز ، وهو بالتثنية وتشديد الياء الأخيرة ، وروي بالإفراد وتخفيف الياء ( وإني أنا النذير ) فيه الحصر ( العريان ) أي بلا غرض والنذير العريان مثل مشهور سائر بين العرب يضرب لشدة الأمر ودنو المحذور وبراءة المحذر عن التهمة ، وأصله أن الرجل إذا رأى العدو قد هجم على قومه وأراد أن يفاجئهم وكان يخشى لحوقهم قبل لحوقه . تجرد عن ثوبه وجعله على رأس خشبة ، وصاح ليأخذوا حذرهم . وقيل : هو الذي غشيه العدو وكان ربيئة قومه ، أي جاسوسهم فأخذوه وتعلقوا بثيابه فانسل منها ، ولحق بقومه فأنذرهم فلما رأوه على حالته تلك ارتحلوا عن آخرهم ، وقيل : إنه الذي سلب العدو ما عليه من الثياب فأتى قومه عريانا يخبرهم فصدقوه لما عليه من آثار الصدق . وخص العريان بالذكر لأنه أبين في العين وأغرر وأشنع عند البصر . ( فالنجاء النجاء ) في أكثر النسخ مرتين ، وفي نسخة مرة ، وهو بالمد على الأصح مصدر نجا إذا أسرع ، يقال ناقة ناجية أي مسرعة ، قال ابن الملك : بالفاء والمد والقصر نصب على الإغراء ، أي اطلبوا النجاء ، أو على المصدر أي انجوا ، وهو الإسراع كرر للتأكيد قيل : في شرح السنة ، وبعض نسخ المصابيح مرة ، وفي كثير منها مرتين . قال الطيبي : روى الإمام عن القاضي عياض المعروف في صحيح البخاري إذا أفرد النجاء مد ، وحكى أبو زيد فيها القصر ، وأما إذا كرر ففيه المد والقصر معا . ا ه . ونقل الأبهري عن الشيخ بالمد فيهما وبمد الأولى وقصر الثانية وبالقصر فيهما تخفيفا ، وهو منصوب على الإغراء ، أي اطلبوا النجاء بأن تسرعوا الهرب إشارة إلى أنهم لا يطيقون مقاومة ذلك الجيش . ( فأطاعه طائفة من قومه ) قال الطيبي : الإطاعة تتضمن التصديق ، يعني فيحسن مقابلته بقوله : ( كذبت ) فيما يأتي ( فأدلجوا ) بهمزة قطع ثم سكون هو الصحيح ، أي ساروا أول الليل ، أو ساروا الليل كله على اختلاف في مدلول هذه اللفظة . وأما بالوصل والتشديد على أن المراد به سير آخر الليل فلا يناسب هذا المقام كذا ذكره الأبهري . وقال الطيبي : أي ساروا في الدلجة وهي الظلمة ، وقال السيد جمال الدين : والدلجة أيضا السير في الليل . وكذا الدلج بفتح اللام ، وادلجوا بتشديد الدال ساروا آخر الليل . ( فانطلقوا ) أي ذهبوا وساروا ( على مهلهم ) بفتح الميم والهاء ويسكن ، قال الطيبي : المهل بالحركة الهيئة والسكون ، وبالسكون الإمهال . قال الإمام النووي : في نسخ مسلم بضم الميم وإسكان الهاء وبتاء بعد اللام ، وفي الجمع بين الصحيحين مهلهم بحذف التاء وفتح الميم والهاء وكلاهما صحيحان . ا ه . لكن لم يوجد في نسخ المشكاة إلا بدون التاء اختيارا للفظ البخاري على لفظ مسلم لكونه أصح ( فنجوا ) أي بسبب تصديق المنذرين ( وكذبت طائفة منهم ) قال الطيبي : التكذيب يستتبع العصيان ، يعني فيه إيماء إلى ما قدمناه ( فأصبحوا مكانهم ) أي دخلوا وقت الصباح في مكانهم ( فصبحهم ) بتشديد الباء ( الجيش ) أي أتاهم جيش العدو صباحا للإغارة ( فأهلكهم واجتاحهم ) بالجيم في الأولى والمهملة في الثانية ، أي استأصلهم وأهلكهم بالكلية بشؤم التكذيب وهذا فائدة الجمع بينهما ( فذلك ) أي المثل المذكور ( مثل من أطاعني فاتبع ) وفي نسخة بالواو ( ما جئت به ) أي من الحق ، وهذا ليعلم أنه لا ينبغي أن يستروح بظاهر الطاعة عن أتباع ما جاء به ( ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق ) ) قال السيد جمال الدين : من التشبيهات المفروقة شبه ذاته عليه الصلاة والسلام بالرجل وما بعثه الله به من إنذار القوم بعذاب الله القريب بإنذار الرجل قومه بالجيش المصبح ، وشبه من أطاعه من أمته ومن عصاه بمن صدق الرجل في إنذاره وكذبه . ا ه . فهو على حد قول امرىء القيس :

كأن قلوب الطير رطبا ويابسا

لدى وكرها العناب والحشف البالي

شبه القلوب الرطبة بالعناب واليابسة بالحشف على التفريق بطريق اللف والنشر المرتب . ( متفق عليه ) .

صفحہ 348