مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
ایڈیٹر
جمال عيتاني
ناشر
دار الكتب العلمية
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1422هـ - 2001م
پبلشر کا مقام
لبنان/ بيروت
( 145 ) ( وعن أنس ) رضي الله عنه ( قال : جاء ثلاثة رهط ) الرهط العصابة دون العشرة ، وقيل : دون الأربعين ، وقيل : هم علي وعثمان بن مظعون وعبد الله بن رواحة كذا ذكره الطيبي . وقيل : المقداد بن الأسود بدل عبد الله كذا نقله ابن الملك ، وقال الكرماني : إنما جاء تفسير الثلاثة بالرهط لأنه بمعنى الجماعة فكأنه قيل : ثلاثة أنفس ، والفرق بين الرهط والنفر أنه من الثلاثة إلى العشرة والنفر من الثلاثة إلى التسعة . قال الشيخ : وقع في مرسل سعيد بن المسيب عن عبد الرزاق أن الثلاثة المذكورين هم علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعثمان بن مظعون ، قال : لكن في عد عبد الله بن عمرو منهم نظر لأن عثمان بن مظعون مات قبل أن يهاجر عبد الله فيما أحسب كذا ذكره الأبهري ، وذكر في الخلخالي مكان عبد الله المقداد والله أعلم . ( إلى أزواج النبي يسألون عن عبادة النبي ) أي عبادته في البيت ، والمراد معرفة قدر عادة وظائفة في كل يوم وليلة حتى يفعلوا ذلك ( فلما أخبروا ) على صيغة المجهول ، أي أخبرنهم ( بها ) أي بعبادته ( كأنهم تقالوها ) تفاعل من القلة ، أي استقلوها وجدوها ، أو عدوها قليلة لما في نفوسهم أنها أكثر مما أخبروا به بكثير ( فقالوا : أين نحن من النبي ) أي بيننا وبينه بون بعيد ، فإنا على صدد التفريط وسوء العاقبة وهو معصوم مأمون الخاتمة ، أو لأن له معاملة باطنية مع الله تعالى ساعة منها أفضل من طاعة سنة ظاهرية من غيره كما ورد : ( تفكر ساعة خير من عبادة سنة ، أو ستين سنة ) لا سيما في العلوم والمعارف ، وقيل : فإنا مذنبون ومحتاجون إلى المغفرة . ( وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ ) فينبغي أن تكون العبادة نصب أعيننا ولا نصرف عنها وجوهنا ليلا ونهارا ، ثم الذنب ماله تبعة دينية أو دنيوية مأخوذ من الذنب ، ولما كان النبي معاتبا بترك الأولى تأكيدا للعصمة أطلق عليه اسم الذنب ، أو يكون من باب حسنات الأبرار سيآت المقربين . قال ابن حجر : أي ستر بينه وبينه بعصمته منه فلم يمكن صدوره منه ولو صغيرة قبل النبوة على الصواب ، هذا معنى المغفرة في حق الأنبياء ومعناها في غيرهم سترة بينهم وبين عقوبة ذنوبهم . ا ه . وفي قوله : ( على الصواب ) تخطئة لأكثر أهل العلم وهو غير صواب فكان حقه أن يقول : على الصحيح بناء على مذهبه والله أعلم بالصواب . وقال بعض المحققين : وإجماع الصحابة على التأسي به في أقواله وأفعاله وسائر أحواله حتى في كل حالاته من غير بحث ولا تفكر بل بمجرد علمهم أو ظنهم بصدور ذلك عنه دليل قاطع على إجماعهم على عصمته وتنزهه عن أن يجري على ظاهره أو باطنه شيء لا يتأسى به فيه مما لم يقم دليل على اختصاصه به . ا ه . والجمهور جوزوا وقوع الكبائر سهوا والصغائر عمدا لكن المحققون منهم اشترطوا أن ينبهوا عليه فينتهوا عنه ؛ فعلى هذا قول الجمهور لا ينافي الإجماع المذكور ، قال المظهر : ظنوا أن وظائف رسول الله كثيرة فلما سمعوها عدوها قليلة وقد راعوا الأدب حيث لم ينسبوه إلى التقصير بل أظهروا كماله ولاموا أنفسهم في مقابلتهم إياها بالنبي . وفيه تعليم للمريد بأن لا ينظر إلى الشيخ بعين الإحتقار وإن رأى عبادته قليلة فليظهر عذره وليلم نفسه إن جرى فيها إنكار على شيخه ، لأن من اعترض على شيخه لم يفلح أبدا ، وفيه أن قلة وظائف النبي كانت رحمة على الأمة لئلا يتضرروا بالإقتداء إذ لأنفسهم عليهم حق ولأزواجهم عليهم حق ، فإن الإنسان محتاج إلى الطعام ليتقوى صلبه ، والرجال محتاجون إلى النساء لبقاء النسل . ( فقال أحدهم : أما أنا ) أي أما رسول الله فقد خص بالمغفرة العامة فلا عليه أن لا يكثر العبادة ، وأما أنا فلست مثله . ( فأصلي الليل ) أي أحييه بالصلاة ، والظاهر أنه وما قبله عزم على ما ذكر ، ويحتمل الإخبار عن ذلك . ( أبدا ) أي طول الليل ، أو دائما غير مختص بليل دون ليل . ( وقال الآخر : أنا أصوم النهار ) أي أبدا كما في نسخة ، لكن يستغنى عنه بقوله : ( ولا أفطر ) أي بالنهار ، يعني غير الأيام الخمسة المنهية ( وقال الآخر : أنا أعتزل النساء ) أي اجتنبهن ( فلا أتزوج ) أي منهن أحدا ( أبدا ) فإنهن والإشتغال بهن يمنع الشخص عن العبادة ، ويوقعه في طلب الدنيا والحرص على تحصيلها في العادة ، وهو خلاف سلوك أهل الإرادة من السادة . ( فجاء النبي إليهم ) وقد علم ذلك بأن جاء إلى أهله فأخبروه ، وإما بالوحي ( فقال : أنتم ) أي أأنتم فحذفت همزة الإستفهام التي للإنكار من قبل أنتم الذي هو الفاعل المعنوي المزال عن مقره على حد : 16 ( { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله } ) [ المائدة 116 ] مبالغة في الإنكار عليهم ( الذين قلتم كذا وكذا ؟ ) كناية عما تقدم ( أما ) بالتخفيف حرف تنبيه واستفتاح بمنزلة ألا ، ويكثر قبل القسم ، وقيل : معناه حقا ، وأعرب ابن حجر : وقال الهمزة للإستفهام الإنكاري وما حرف تنبيه ( والله إني لأخشاكم ) قال القاضي : أي أنا أعلم به وبما هو أعز لديه وأكرم عنده ، فلو كان ما استأثرتموه من الإفراط في الرياضة أحسن مما أنا عليه من الإعتدال لما أعرضت عنه ، وقوله : ( لله ) مفعول به لأخشاكم وأفعل لا يعمل في الظاهر إلا في الظرف ( وأتقاكم له ) إشارة إلى أن الخشية التي لا تورث التقوى لا عبرة بها ( لكني أصوم ) استدراك عن محذوف ، أي أنا أخشاكم لله ، فينبغي على زعمكم ، أو في الحقيقة أن أقوم في الرياضة إلى أقصى مداه لكن أقتصد وأتوسط فيها فأصوم في وقت ( وأفطر ) في آخر ( وأصلي ) بعض الليل ( وأرقد ) في بعضه ( وأتزوج النساء ) ولا أزهد فيهن ، وكمال الرجل أن يقوم بحقهن مع القيام بحقوق الله تعالى والتوكل عليه والتفويض إليه ، وهذا كله ليقتدي بي الأمة ، ( فمن رغب ) أي مال وأعرض ( عن سنتي ) أي استهانة وزهدا فيها لا كسلا وتهاونا ( فليس مني ) أي من أشياعي ، وضع قوله : ( عن سنتي ) مكان ذلك ليشمل كل ما جاء به من المذكور وغيره ومن في ( مني ) اتصالية . وذكر الأبهري عن الشيخ أنه قال : لمح بذلك إلى طريقة الرهبانية ، فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله تعالى ، وقد عابهم بأنهم ما وفوا بما التزموه . ا ه . قلت : ما هو تلميح بل هو تصريح على ما ذكره البغوي في المعالم في قوله تعالى : 16 ( { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } ) [ المائدة 87 ] قال أهل التفسير : ذكر النبي يوما ووصف القيامة فرق له الناس وبكوا ، فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون [ الجمحي ] ، وهم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن ، وتشاوروا واتفقوا على أن يترهبوا ويلبسوا المسوح ، جمع المسح وهو الصوف ، ويجبوا مذاكيرهم ، أي يقطعوها ويصوموا الدهر ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم والودك ، أي الدسم من السمن والدهن ولا يقربوا النساء والطيب ويسيحوا في الأرض ، فبلغ ذلك رسول الله فأتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادفه ، فقال لأمرأته أم حكيم بنت أبي أمية واسمها الحولاء وكانت عطارة : أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه ؟ فكرهت أن تكذب وكرهت أن تبدي على زوجها ، أي تظهر ، فقالت : يا رسول الله إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك ، فانصرف رسول الله ، فلما دخل عثمان أخبرته بذلك ، فأتى رسول الله هو وأصحابه ، فقال لهم رسول الله : ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا ؟ قالوا : بلى يا رسول الله وما أردنا إلا الخير ، فقال عليه الصلاة والسلام : إني لم أومر بذلك ، ثم قال : ( إن لأنفسكم عليكم حقا ، فصوموا وافطروا ، وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي النساء ، ومن رغب عن سنتي فليس مني ، ثم جمع الناس وخطبهم ، فقال : ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا ؟ إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا ؛ فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ، ولا اتخاذ الصوامع ، وإن سياحة أمتي الصوم ، ورهبانيتهم الجهاد ، واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان . واستقيموا يستقم لكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد ، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ، فاولئك بقاياهم في الديارات والصوامع ، فأنزل الله هذه الآية . ( متفق عليه ) .
صفحہ 344