مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
ایڈیٹر
جمال عيتاني
ناشر
دار الكتب العلمية
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1422هـ - 2001م
پبلشر کا مقام
لبنان/ بيروت
وأصل هذا اختلافهم في الوقف في قوله تعالى : 16 ( { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم } ) [ آل عمران 7 ] فالأكثرون على الوقف على الجلالة ، والأقلون على الوقف على العلم ومن أجلهم ابن عباس فكان يقف عليه ويقول حملا للناس على سؤاله والأخذ عنه : أنا من الراسخين في العلم ؛ على أنه يمكن رفع الخلاف بأن المتشابه على قسمين : ما لا يقبل تأويلا قريبا فهذا محمل الوقف الأول ، وما يقبله فهذا محمل الثاني . ومن ثم اختار بعض المحققين قبول التأويل إن قرب من اللفظ واحتمله وضعا ورده إن بعد عنه . والحاصل أن السلف والخلف مؤولون لإجماعهم على صرف اللفظ عن ظاهره ، ولكن تأويل السلف إجمالي لتفويضهم إلى الله تعالى وتأويل الخلف تفصيلي لإضطرارهم إليه لكثرة المبتدعين . ( بين أصبعين ) بكسر الهمزة وفتح الباء هو المشهور وإلا ففيه تسع لغات ، قال في القاموس : الأصبع مثلث الهمزة والباء ( من أصابع الرحمن ) إطلاق الأصبع عليه تعالى مجاز ، أي تقليب القلوب في قدرته يسير ، يعني أنه تعالى متصرف في قلوب عباده وغيرها كيف شاء لا يمتنع منها شيء ولا يفوته ما أراده ، كما يقال : فلان في قبضتي أي كفي لا يراد أنه في كفه ، بل المراد أنه تحت قدرتي وفلان بين أصبعي أقلبه كيف شئت ، أي أنه هين علي قهره والتصرف فيه كيف شئت . وقيل : المراد بأصبعين صفتا الله وهما صفة الجلال والإكرام ، فبصفة الجلال يلهمها فجورها وبصفة الإكرام يلهمها تقواها ، أي يقلبها تارة من فجورها إلى تقواها وتارة من تقواها إلى فجورها ، وقيل : معناه بين أثرين من آثار رحمته وقهره ، أي قادر أن يقلبها من حال إلى حال [ من الإيمان ] والكفر والطاعة والعصيان . قال القاضي : نسب تقليب القلوب إليه تعالى إشعارا بأنه تعالى تولى بذاته أمر قلوبهم ولم يكله إلى أحد من ملائكته ، وخص الرحمن بالذكر إيذانا بأن ذلك التولي محض رحمته كيلا يطلع أحد غيره على سرائرهم ولا يكتب عليهم ما في ضمائرهم . وقوله ( كقلب واحد ) بالوصف يعني كما أن أحدكم يقدر على شيء واحد ، الله تعالى يقدر على جميع الأشياء دفعة واحدة لا يشغله شأن عن شأن ، ونظيره قوله تعالى : 16 ( { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } ) [ لقمان 28 ] قيل : ليس المراد أن التصرف في القلب الواحد أسهل بالقياس إليه إذ لا صعوبة بالقياس إليه تعالى بل ذلك راجع إلى العباد وإلى ما عرفوه فيما بينهم . ( يصرفه ) بالتشديد ، أي يقلب القلب الواحد ، أو جنس القلب . وفي بعض نسخ المصابيح بتأنيث الضمير ، أي القلوب كذا ذكره العيني وهو تحقيق لوجه الشبه . ( كيف يشاء ) حال على تأويل هينا سهلا لا يمنعه مانع ، أو مصدر أي تقليبا سريعا سهلا ، وفي كتاب الحميدي وفي مسلم : ( حيث يشاء ) قاله العيني . ( ثم قال رسول الله : اللهم ) أصله يا ألله فحذف حرف النداء وعوض عنه الميم ولذا لا يجتمعان ، وقيل : أصله يا ألله أمنا بخير ، أي اقصدنا فحذف ما حذف اختصارا ( مصرف القلوب ) بالإضافة صفة اللهم عند المبرد والأخفش ، لأن يا لا يمنع من الوصف فكذا بدلها ، ومنادى برأسه عند سيبويه وقد حذف منه النداء لأن ضم الميم للجلالة منع وصفها . ( صرف قلوبنا على طاعتك ) ) أي إليها ، أو ضمن معنى التثبيت ويؤيده ما ورد : ( اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) ، قيل : وفيه إرشاد للأمة والظاهر أن كل أحد من العباد كما أنه مفتقر إليه تعالى في الإيجاد لا يستغني عنه ساعة من الإمداد ( رواه مسلم ) .
صفحہ 261