مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
ایڈیٹر
جمال عيتاني
ناشر
دار الكتب العلمية
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1422هـ - 2001م
پبلشر کا مقام
لبنان/ بيروت
( 90 ) ( وعن أبي هريرة ) [ رضي الله عنه ] ( قال : قال رسول الله : ( ما من مولود ) أي من الثقلين ( إلا يولد على الفطرة ) قيل : مولود مبتدأ خبره يولد ، أي ما من مولود يوجد على أمر من الأمور إلا على هذا الأمر . والفطرة تدل على نوع من الابتداء والاختراع الذي هو معنى الفطرة كالجلسة ، واللام فيها إشارة إلى معهود وهو قوله : 16 ( { فطرة الله } ) [ الروم : 30 ] وهي الإيمان إذ المراد ب 16 ( { أقم وجهك للدين حنيفا } ) [ الروم 30 ] اثبت على إيمانك القديم الواقع منك في عالم الذر يوم 16 ( { ألست بربكم } ) [ الأعراف 172 ] ويؤيد ذلك رواية الترمذي وغيره الملة بدل الفطرة لأن ما صدقهما واحد ، قال تعالى : 16 ( { دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا } ) [ الأنعام 161 ] [ كذا ] ذكره ابن حجر . والظاهر أن الملة أخص من الدين ولذا قيل : باتحاد دين الأنبياء وهو الإسلام والتوحيد واختلاف مللهم لإختلاف شرائعهم ، وفي معنى هذا الحديث : ( خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم ) . والمعنى : ما أحد يولد إلا على هذا الأمر الذي هو تمكن الناس من الهدى في أصل الجبلة والتهيؤ لقبول الدين فلو ترك على تمكنه وتهيؤه المذكورين لاستمر على الهدى والدين ولم يفارقه إلى غيره ، لأن حسنه ركز في النفوس فلم يقع لها عدول عنه إلا لآفة بشرية أو تقليد للغير ، ولذا قال تعالى : 16 ( { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } ) [ البقرة 16 ] فجعل الهدى رأس المال الحاصل عندهم ثم عرضوه للزوال ببذله في أخذهم الضلالة البعيدة عنهم . ( فأبواه يهودانه ) بتشديد الواو ، أي يعلمانه اليهودية ويجعلانه يهوديا ( أو ينصرانه أو يمجسانه ) والفاء إما للتعقيب وهو ظاهر ، وأما للتسبب ، أي إذا كان كذا فمن تغير كان بسبب أبويه غالبا ( كما تنتج البهيمة ) صفة لمصدر محذوف وما مصدرية ، أي يولد على الفطرة ولادة مثل نتاج البهيمة ، أو يغيرانه تغييرا كتغييرهم البهيمة ، وقيل : حال أي مشبها ، شبه ولادته على الفطرة بولادة البهيمة السليمة غير أن السلامة حسية ومعنوية وعلى التقديرين الأفعال الثلاثة أي يهودانه وما عطف عليه تنازعت في كما تنتج المفيد لتشبيه ذلك المعقول بهذا المحسوس المعاين ليتضح به أن ظهوره بلغ في الكشف والبيان مبلغ هذا المحسوس المشاهد في العيان ، وهو يروى على البناء للفاعل وهو الأصح ، وعلى بناء المفعول يقال : نتج الناقة ينتجها إذا تولى نتاجها حتى وضعت فهو ناتج وهو للبهائم كالقابلة للنساء ، والأصل نتجها أهلها ولدا ولذا يتعدى إلى مفعولين فإذا بني للمفعول الأول ، قيل : نتجت ولدا إذا وضعت ، وإذا بني للثاني ، قيل : نتج الولد إذا وضعته . ( بهيمة ) وقيل : مصغرة ونصبها على أنه مفعول ثان لتنتج والأول أقيم مقام فاعله ، وقيل : إنه منصوب على الحال بتقدير كون تنتج مجهولا أي ولدت في حال كونها بهيمة ، أو على أنه مفعول إذا كان معروفا من نتج إذا ولد . وأغرب ابن حجر حيث قال : كما تنتج بالبناء للمفعول لا غير . ( جمعاء ) أي سليمة الأعضاء كاملتها ، سميت بذلك لإجتماع سلامة اعضائها من نحو جدع وكي ( هل تحسون فيها ) أي في البهيمة الجمعاء ، والمراد بها الجنس وتحسون بضم التاء وكسر الحاء ، وقيل : بفتح التاء وضم الحاء ، أي هل تدركون ؟ والجملة في موضع الحال أي بهيمة سليمة مقولا في حقها هذا القول ، وفيه نوع من التأكيد يعني كل من نظر إليها قال هذا القول لظهور سلامتها ، وقيل : هو صفة أخرى بتقدير مقولا في حقها ( من جدعاء ؟ ) بالمهملة ، أي مقطوعة الاذن . وفي المصابيح حتى تكونوا أنتم تجدعونها ، قيل : تخصيص الجدع إيماء إلى أن تصميمهم على الكفر إنما كان لصمهم عن الحق ( ثم يقول : ) ظاهره أنه من بقية الحديث المرفوع وليس كذلك بل هو من كلام أبي هريرة أدرجه في الحديث بينه مسلم من طريق الترمذي عن الزهري . ولفظه : ( ثم يقول أبو هريرة اقرؤا إن شئتم 16 ( { فطرة الله التي فطر الناس عليها } ) الآية [ الروم 30 ] ) كذا قاله الشيخ ابن حجر في شرح صحيح البخاري . أقول : وكذا وقع التصريح بذلك في رواية البخاري من طريق يونس عن الزهري عن أبي سلمة الرازي عن أبي هريرة ولفظه : ( ثم يقول أبو هريرة فطرة الله التي فطر الناس عليها ) أخرجه في كتاب الجنائز كذا حققه ميرك شاه . قال الطيبي : الظاهر ( ثم قرأ ) فعدل إلى القول وأتى بالمضارع لحكاية الحال استحضارا كأنه يسمع منه عليه الصلاة والسلام الآن . ا ه . وفيه أن العلة المذكورة لا تصلح أن تكون للعدول إلى القول فالأظهر ما قاله ابن حجر : إن ظاهر السياق ( ثم قرأ ) فعدل عنه لفظا إشارة فيما يظهر والله أعلم أن اللفظ القرآني في مقام الإستدلال لا تجري عليه أحكام القرآن لأن ذكره للإستدلال به صارف له عن القرآنية . ا ه . ويؤيده ترك الإستعاذة في ابتدائه ثم قوله ( فطرة الله ) أي الزموها وهي ما ذكر من الإستعداد للمعرفة ( التي فطر الناس عليها ) أي خلقهم ابتداء وجبلهم عليها ( لا تبديل لخلق الله ) أي فيكم من قبول الإسلام . وهو مؤول بأنه من شأنه ، أو الغالب فيه أنه لا يبدل ، أو يقال الخبر بمعنى النهي ولا يجوز أن يكون إخبارا محضا لحصول التبديل . قال حماد بن سلمة في معنى الحديث : هذا عندنا حيث أخذ الله العهد في أصلاب آبائهم فقالوا : بلى ، قال الخطابي : هذا معنى حسن وكأنه ذهب إلى أنه لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا ، وإنما يعتبر الإيمان الشرعي المكتسب بالإرادة ألا ترى أنه يقول فأبواه يهودانه في حكم الدنيا ؛ فهو مع وجود الإيمان الفطري فيه محكوم له بحكم أبويه الكافرين ، قيل : وتلخيصه أن العالم إما عالم الغيب وإما عالم الشهادة ، فإذا نزل الحديث على عالم الغيب أشكل معناه ، وإذا صرف إلى عالم الشهادة الذي عليه مبنى ظاهر الشرع سهل تعاطيه . وتحريره أن الناظر إذا نظر إلى المولود نفسه من غير اعتبار عالم الغيب ، وإنه ولد على الخلقة التي خلق الله [ الناس ] عليها من الإستعداد للمعرفة وقبول الحق والتأبي عن الباطل والتمييز بين الخطأ والصواب حكم بأنه لو ترك على ما هو عليه ولم يعتوره من الخارج ما يصده عن النظر الصحيح من التقليد والألف بالمحسوسات والإنهماك في الشهوات استمر على ما كان عليه من الفطرة السليمة ولم يختر عليه شيئا ، وينظر فيما نصب من الدلائل على التوحيد وصدق الرسول وغير ذلك نظرا صحيحا يوصله إلى الحق ويهديه إلى الرشد وعرف الصواب واتبع الحق ودخل في الملة الحنيفية ولم يلتفت إلى ما سواها ، لكن يصده عن ذلك أمثال هذه العوائق ؛ ونظير ذلك أم الغلام الذي قتله الخضر فإن موسى عليه الصلاة والسلام نظر إلى عالم الشهادة وظاهر الشرع فانكر ، والخضر عليه الصلاة والسلام نظر إلى عالم الغيب وأنه طبع كافرا فقتله ولذلك لما اعتذر الخضر بالعلم الخفي الغائب أمسك موسى عليه الصلاة والسلام عن الإعتراض كذا قالوه . ولعل معنى أنه طبع كافرا ، أي خلق وقدر وجبل أنه لو عاش يصير كافرا لئلا يناقضه هذا الحديث ( ذلك ) أي التوحيد الذي هو معنى الفطرة هو ( الدين القيم ) ) أي المستقيم الذي لا عوج له ولا ميل إلى تشبيه وتعطيل ولا قدر ولا جبر . ( متفق عليه ) .
صفحہ 264