مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
ایڈیٹر
جمال عيتاني
ناشر
دار الكتب العلمية
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1422هـ - 2001م
پبلشر کا مقام
لبنان/ بيروت
وتحقيق هذا المقام أن يقال : إن لله صفتي لطف وقهر ، والحكمة تقتضي أن يكون الملك سيما ملك الملوك كذلك إذ كل منهما من أوصاف الكمال ولا يقوم أحدهما مقام الآخر ، ولا يتحقق كل منهما إلا بوجود الآخر كما لا تتبين اللذة إلا بالألم وبضدها تتبين الأشياء ولا بد لكل منهما من مظهر فالسعداء وأعمالهم مظاهر اللطف وفائدة بعثة الأنبياء والكتب ترجع إليهم : 16 ( { إنما أنت منذر من يخشاها } ) [ النازعات 45 ] كما أن فائدة نور الشمس لأهل البصر ، والأشقياء وأفعالهم مظاهر القهر ، وفائدة البعثة لهم إلزام الحجة لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وهي في الحقيقة نعي عليهم بالشقاوة ] ( ثم ينفخ ) على البناء للمجهول ، وقيل : أنه معلوم ( فيه الروح ) بالوجهين أي ثم بعد هذا البعث لا قبله وعكس ذلك الواقع في رواية البيهقي المراد به ترتيب الأخبار فقط ، على أن رواية الشيخين مقدمة على غيرها كذا ذكره ابن حجر ، لكن وقع في الأربعين النووية بلفظ : ( فينفخ فيه الروح ويؤمر ) الخ ونسب إلى الشيخين فتأمل فلعلهما روايتان والله أعلم . ( فوالذي لا إله غيره ) القسم لإفادة التحقيق وتأكيد التصديق أي إذا كان الشقاوة والسعادة مكتوبة فوالله الذي لا إله غيره وليعلم في أمر القضاء إن الكسب لا مدخل له في الحقيقة ( إن أحدكم ) ولفظ المصابيح : ( فإن الرجل ) أي الشخص ( ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون ) في الموضعين بالرفع لا لأن ما النافية كافة عن العمل بل لأن المعنى على حكاية حال الرجل لا الإخبار عن المستقبل كذا قاله السيد جمال الدين . وقال المظهر : حتى هي الناصبة وما نافية ولفظة ( يكون ) منصوبة بحتي وما غير مانعة لها من العمل . وقال ابن الملك : الأوجه أنها عاطفة ويكون بالرفع عطف على ما قبله . ( بينه وبينها ) أي بين الرجل وبين الجنة ( إلا ذراع ) تمثيل لغاية قربها ( فيسبق عليه الكتاب ) ضمن معنى يغلب ، ولذا عدي بعلي وإلا فهو متعد بنفسه ، أي يغلب عليه كتاب الشقاوة ، والتعريف للعهد ، والكتاب بمعنى المكتوب أي المقدر أو التقدير أي التقدير الأزلي . والفاء للتعقيب يدل على حصول السبق بلا مهلة ( فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ) فيه إشارة إلى أن دخول النار لا يكون بمجرد تعلق العلم الإلهي بل لا بد من ظهور العمل المخلوقي فلا يكون جبرا محضا ولا قدرا بحتا وهذا مما سنح لي ، وقيل [ لأن بذر الشقاوة والسعادة قد اختفى في الأطوار الإنسانية لا يبرز إلا إذا انتهى إلى الغاية الإيمانية ، أو الطغيانية ] والله أعلم ( وإن أحدكم ) أي الآخر ( ليعمل بعمل أهل النار ) من الكفر والمعاصي ( حتى ما يكون ) بالوجهين ( بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب ) قيل : فيه دلالة ظاهرة على أن الأعمال أمارات لا موجبات ، وإن مصيرها إلى ما جرى به المقادير في البداية . ( فيعمل بعمل أهل الجنة ) بأن يستغفر ويتوب ( فيدخلها ) أقول في الحديث تنبيه على أن السالك ينبغي أن لا يغتر بأعماله الحسنة ويجتنب العجب والتكبر والأخلاق السيئة ويكون بين الخوف والرجاء ومسلما بالرضا تحت حكم القضاء ، وكذا إذا صدرت منه الأعمال السيئة فلا ييأس من روح الله تعالى الطيبة فإنها إذ أبدت عين العناية ألحقت الآخرة بالسابقة ، وكذا الحال بالنسبة إلى الغير في الأعمال فلا يحكم لأحد بأنه من أهل الجنة والدرجات وإن عمل ما عمل من الطاعات ، أو ظهر عليه من خوارق العادات ، ولا يجزم في حق أحد بأنه من أهل النار والعقوبات ولو صدر منه جميع السيآت والمظالم والتبعات ، فإن العبرة بخواتيم الحالات ولا يطلع عليها غير عالم الغيب والشهادات [ ثم أعلم أن ما يجري في العالم من الإيمان والكفر والسعادة والشقاوة ومن الكليات والجزئيات بتقدير الله وإيجاده ، إذ لا مؤثر في الوجود إلا الله المتعالي عن الشريك ذاتا وصفة وفعلا ، يفعل الله ما يشاء لا علة لفعله ولا معقب لحكمه ، لا يسأل عما يفعل ، ولا مجال للعقل في تحسين الأفعال وتقبيحها بل يحسن صدورها كلها عنه ، والاستقلال للعبد في الأفعال والمدح والذم باعتبار المحلية لا باعتبار الفاعلية ، كما يمدح الشيء بحسنه . والثواب والعقاب كسائر الأمور العادية ؛ فإن الله أجرى عادته بأن يوجد الأسباب أولا ثم يوجد المسببات عقيبها فكل منهما صادر عنه ابتداء . وأما البعثة والتكليف فلأن الله يجب اتصافه بالأمر والنهي والوعد والوعيد ولا بد لها من مظهر كما كان كذلك في جميع الصفات فكلف العباد بهما ورتب عليه الوعد والوعيد إظهارا لمقتضى سلطنته كما قال : كنت كنزا مخفيا فأردت أن أعرف فخلقت الخلق لأن أعرف ] ( متفق عليه ) .
صفحہ 249