وأمَّا من ذهب إلى التفريق بين الإسار قبل الإثخان وبعده، فدليلهم: ظاهر الآية في قوله -تعالى-: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤]، فلم يُؤذن في الإسار إلا بعدَ الإثخان والقتل، وإليه ذهب سعيد بن جبير (١) .
وأما الجمهور الذين ذهبوا إلى تخيير الإمام بحسب الاجتهاد في المصالح؛ فإنهم استعملوا جميع الآي الواردة في ذلك، على ما نذكره -إن شاء الله تعالى- لإمكان الجمع بينهما، وإذ لا دليل على أنَّ شيئًا من ذلك منسوخ؛ رُوي هذا القول عن ابن عباس (٢)، وعليه أهل المدينة، وكذلك يجئ مذهب مالكٍ، والشافعي،
(١) أخرجه عنه أبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ» (٢١٠رقم ٣٩٥)، وابن الجوزي في «الناسخ والمنسوخ» (ص ٢٢٩) .
وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٧/٤٥٧) إلىعبد بن حميد، وابن المنذر في «تفسيريهما»، مع أن ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٣١) نقل أن مذهبه كراهية القتل، كمذهب الحسن وعطاء، ونقل فيه (١١/٢٢٦) أن الإثخان مذهب إسحاق.
(٢) أخرجه أبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ» (ص ٢٠٩ رقم ٣٩٢)، وفي كتاب «الأموال» (ص ١٧٠ رقم ٣٤٢)، والطبري في «التفسير» (١٤/ص ٥٩ رقم ١٦٢٨٦-ط. شاكر)، وأبو جعفر النحاس في «الناسخ والمنسوخ» (ص ١٩٠، ٢٥٩)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/٢٢٥-٢٢٦) من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله -تعالى-: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ . قال: ذلك يوم بدر، والمسلمون يومئذٍ قليل، فلما كثروا واشتد سلطناهم، أنزل الله ﷿ بعد هذا في الأسارى ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ فجعل الله ﷿ النبي ﷺ والمؤمنين في الأسارى بالخيار: إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا فادوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم. شكَّ أبو عبيد في «استعبدوهم» .
قلت: علي بن أبي طلحة. قال العلائي في «جامع التحصيل» (ص ٢٤٠ رقم ٥٤٢): «قال دُحيم: لم يسمع التفسير من ابن عباس، وقال أبو حاتم: علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مرسل» . وقال أبو زرعة العراقي في «تحفة التحصيل» (ص ٢٣٤): «قلت: قال الفسوي: روى عن ابن عباس الناسخ والمنسوخ، ولم يره» .
قلت: لعليِّ بن أبي طلحة صحيفة رواها عن ابن عباس -كما أشرت إلى ذلك في موطن سابق-، فلعله أخذ هذا عن ابن عباس من الصحيفة؛ فيصح الأثر، والله الموفق.
وأخرجه ابن جرير في «التفسير» (٢٦/٤١)، وابن الجوزي في «الناسخ والمنسوخ» (ص ٢٢٨) =
1 / 263
مقدمة المصنف
الباب الأول: في حد الجهاد ووجوبه، وتفصيل أحكامه: من فرض على الأعيان، وعلى الكفاية، ونفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟
الباب الثاني في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء
الباب الثالث في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال
الباب الرابع: في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم من الإنهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟
الباب الخامس: فيما يجب، وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو، والنيل منهم، ومعرفة أحكام الأسرى والتصرف فيهم.
الباب السادس: في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟
الباب السابع في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول
الباب الثامن في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخمس، ووجوه مصارفهما، وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار
الباب التاسع في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، وما لأهلها وعليهم
الباب العاشر: في المرتدين والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم.