فذهب بعض من تأوَّل ذلك (١) من قوله، إلى أنَّه إنما نهى عن تخريب الشام؛
لأنه علم ضعف العدوِّ، ورجا مصير ذلك عن قُربٍ للمسلمين موفورًا (٢)، ونحو ذلك روي عن مالك أنَّه تأوَّله (٣) .
فأمّا حجة من أجاز ذلك في الجملة: فعموم قوله -تعالى-: ﴿وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وحديث عبد الله بن عمر،
والمذكور مذهب ابن مسعود -أيضًا-. انظر: «سنن سعيد بن منصور» (٣/٢٤٠)، «المغني» (٨/٤٥٣-٤٥٤) .
(١) نُقل عن سَحنون في «المدونة» (٢/٨)، وقاله عبد الملك بن حبيب، نقله عنه ابن أبي زمنين في «قدوة الغازي» (ص ١٦٧) .
(٢) وبما أن مصير ذلك عن قربٍ للمسلمين، فيصير كأنهم خربوا أموالهم بأيديهم. وقد أشار الصديق ﵁ إلى هذا المعنى، فقال للجيش: فإن الله ناصركم، وممكن لكم حتى تتخذوا فيها مساجد.
وانظر: «شرح السير الكبير» (١/٤٤-٤٦)، «الرد على سير الأوزاعي» لأبي يوسف (ص ٨٧-٨٩)، «الأم» (٧/٣٥٦)، «المبسوط» (١٠/٣١)، «فتح الباري» (٦/١٥٥)، «أحكام القرآن» للجصاص (٣/٤٢٩)، «سنن البيهقي» (٩/٨٥) .
قلت: ولا يَسْلَمُ هذا التأويل؛ لأن النبي ﷺ قطع وأحرق نخل بني النضير، وقد علم أنها ستصير للمسلمين في يومه أو غَدِه، كما ذكره ابن الحزم وابن العربي.
انظر: «المحلّى» (٧/٢٩٤)، «أحكام القرآن» (٤/١٧٦٨)، بل إنه ﷺ قطع نخيل خيبر، وقد وعده الله -تعالى- إياها مغانم كثيرة. انظر: «شرح السير الكبير» (١/٥٥) .
فكيف يتلف النبي ﷺ ميراث المسلمين، وينهى أبو بكر ﵁ فيما بعد- المسلمين عن ذلك؟!
وعلى افتراض ثبوت وصية الصديق لجيشه، يقول الإمام الشافعي في «الأم» (٧/٣٥٦): «ولعلَّ أمر أبي بكر ﵁ بأن يكفوُّا عن أن يقطعوا شجرًا مثمرًا، إنما هو لأنه سمع رسول الله ﷺ يخبر بأن بلاد الشام تفتح على المسلمين، فلما كان مباحًا أن يقطع ويترك، اختار الترك نظرًا للمسلمين» .
1 / 252
مقدمة المصنف
الباب الأول: في حد الجهاد ووجوبه، وتفصيل أحكامه: من فرض على الأعيان، وعلى الكفاية، ونفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟
الباب الثاني في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء
الباب الثالث في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال
الباب الرابع: في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم من الإنهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟
الباب الخامس: فيما يجب، وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو، والنيل منهم، ومعرفة أحكام الأسرى والتصرف فيهم.
الباب السادس: في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟
الباب السابع في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول
الباب الثامن في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخمس، ووجوه مصارفهما، وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار
الباب التاسع في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، وما لأهلها وعليهم
الباب العاشر: في المرتدين والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم.