اختلفوا في رمي حصون العدو بالمنجنيق ونحوه من المُهْلِكات، وفيهم النساء والذُّرِّيَّة (١) وأُسارى المسلمين؛ فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي وغيرهم إلى جواز ذلك في الجملة على ما نفصّله عنهم، وقيل: لا يجوز ذلك. ذَكرَ فَضْلٌ أن ابن القاسم من أصحاب مالكٍ رَوَى عنه المنعَ من رميهم بالمجانيق، أو إرسال الماء عليهم ليغرقوا إذا كان معهم النساء والأطفال (٢) .
فأما أبو حنيفة، فذهب إلى جواز رميها وتحريقها عليهم بالنار، وإن كان
(١) وهم من يُسَمَّوْن اليوم: المدنيون.
(٢) انظر: «قدوة الغازي» (١٧٢-١٧٣)، «الذخيرة» (٣/٤٠٩)، «الخرشي» (٤/١٧)، «البيان والتحصيل» (٣/٣١-٣٢)، وحكى فيه أربعة أقوال، قال ما نصه: «... وفيما يجوز في ذلك كله ومما لا يجوز اختلافٌ كثيرٌ في المذهب، تحصيله أن الحصون إذا لم يكن فيها إلا المقاتلة فأجاز في المدونة أن يرموا بالنار، ومنع من ذلك سحنون، وقد روى ذلك عن مالك من رواية محمد بن معاوية الحضرمي، ولا خلاف فيا سوى ذلك من تغريقهم بالماء ورميهم بالمجانيق وما أشبه ذلك، وأما إن كان فيهم مع المقاتلة النساء والصبيان ففي ذلك أربعة أقوال:
أحدها: أنه يجوز أن يرموا بالنار ويرموا بالمجانيق، وهو قول أصبغ فيما حكاه عن ابن مزين.
والثاني: أنه لا يجوز أن يفعل بهم شيء من ذلك كله، وهو قول ابن القاسم فيما حكاه عنه الفضل.
والثالث: أنه يجوز أن يرموا بالمجانيق ويغرقوا بالماء ولا يجوز أن يرموا بالنار، وهو قول ابن حبيبٍ في «الواضحة» .
والرابع: أنه يجوز أن يرموا بالمجانيق ولا يجوز أن يغرقوا ولا يحرَّقوا، وهو مذهب مالك في
«المدونة» . وأما إذا كان فيه مع المقاتلة أسارى المسلمين فلا يرموا بالنار ولا يغرقوا بالماء، واختلف في قطعه عنهم ورميهم بالمجانيق، فقيل: ذلك جائز، وهو قول ابن القاسم وأشهب في سماع سحنون، وقيل لا يجوز، وهو قول ابن حبيب في «الواضحة»، وحكاه عن مالك وأصحابه المدنيين والمصريين» . وانظره: (٣/٤٤، ٥٢) .
وهو مروي -أيضًا-عن أصحاب مالك المصريين والمدنيين. كما في «الذخيرة» .
وانظر: «الإقناع» لابن المنذر (٢/٤٦٥-٤٦٦) .
1 / 236
مقدمة المصنف
الباب الأول: في حد الجهاد ووجوبه، وتفصيل أحكامه: من فرض على الأعيان، وعلى الكفاية، ونفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟
الباب الثاني في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء
الباب الثالث في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال
الباب الرابع: في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم من الإنهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟
الباب الخامس: فيما يجب، وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو، والنيل منهم، ومعرفة أحكام الأسرى والتصرف فيهم.
الباب السادس: في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟
الباب السابع في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول
الباب الثامن في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخمس، ووجوه مصارفهما، وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار
الباب التاسع في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، وما لأهلها وعليهم
الباب العاشر: في المرتدين والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم.