Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
تضطهدهم في كل مكان، ولم يكن شأن ذلك الاضطهاد كشأن محنة أحمد، فإن محنة أحمد كانت ضد الجماهير، وعلى غير رغبتهم، أما الاضطهاد في هذه المرة، فكان استجابة للعامة الذين نفروا من اضطرابهم وإزعاجهم، وتخريبهم
وبهذا ضعف انتشار المذهب، بعنف معتنقيه من الدهماء، واستنكار الناس لتصرفهم.
٢٨٤- ومن الأسباب في عدم نشر المذهب الحنبلي أن البلاد الإسلامية عندما أخذ ذلك المذهب يذيع وينمو قد اعتنقت مذاهب مختلفة، فالمذهب الحنفي كان في العراق، والشافعي كان في الحجاز والشام ومصر، والمالكي كان في المغرب، وغير ذلك، وقد جاء أحمد بعد هؤلاء الأئمة، فجاء مذهبه بعد مذاهبهم، ولكي يسود كان يجب أن يزيلها من طريقه، أو يضعف شأنها، ولم يكن في معتنقيه تلك القوة، ولم يكن لهم من الدولة عون، بل كانت أحوال معتنقيه تنفر الناس والدولة، فاجتمع له ضعف من العامة الذين اعتنقوه، ومحاربة من الناس والسلطان، وعدم وجود فراغ يملؤه.
٢٨٥- وهكذا تضافرت الأسباب جعلت اتباع ذلك المذهب من الناس قليلا، وإنه في الحقيقة لولا أصحاب أحمد الذين تتلمذوا له، وجمعوا أفكاره ومسائله، ثم دونوا كل ما تصدى لبيانه من أحكام فقهية ونقلوا إلى تلاميذه لمات مذهبه، كما مات مذهب الأوزاعي بالشام، ومذهب الليث بمصر، ولولا العلماء الذين نبغوا في هذا المذهب في كل الأجيال، جيلا بعد جيل ما وجد الناس ذلك العلم الغزير الذي يتدارسه الناس، ويرون فيه الخصب الفكري والحرية الطليقة تحت ظل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وما وجدنا ذلك التراث من الفقه الحنبلي الذي كان علاجا لإصلاح الأوقاف، وتنظيم الوصايا والمواريث.
٢٨٦- وقد انتشر المذهب في أول أمره في العراق وبعض بلاد ما وراء النهر، وكانت له في بعض الأوقات غلبة في بغداد، ولكن لم تلبث أن ضعفت
398