396

Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

ولقد استنكر المفكرون من الأمة تلك الحال، حتى لقد ألف ابن قتيبة الذي كان يعيش في ذلك العصر رسالة وصنف فيها كيف كانت الاختلافات تجري بحدة وعنف بين الذين لا يعلمون في هذه المسألة ويتكلمون من غير بينة، وكيف كان المحدثون وعلى رأسهم الحنابلة يكفرون، أو يحكمون بالبدعة على كل من لا ينطق بكلمة قديم مضافة إلى أي شيء يتصل بالقرآن.

وقال في وصف المحدثين، ثم الحنابلة:

"كان آخر ما وقع من الاختلاف أمراً خص بأعجاب الحديث الذين لم يزالوا بالسنة ظاهرين، وبالاتباع قاهرين، يداجون بكل بلد، ولا يداجون، ويستتر منهم بالنحل، ولا يستترون، ويصدعون بحقهم الناس، ولا يستغشون، لا يرتفع بالعلم إلا من رفعوا، ولا يتضع فيه إلا من وضعوا، ولا تسير الركبان إلا بذكر من ذكروا، إلى أن كادهم الشيطان بمسألة لم يجعلها الله تعالى أصلاً في الدين ولا فرعاً في جهلها سعة، وفي العلم بها فضيلة، فنعى شرها، وعظم شأنها، حتى فرقت جماعتهم وشتت كلمتهم، ووهنت أمرهم، وأشمتت حاسديهم".

وهذه المسألة التي كانت بها هذه الشدة واللجاجة في الخصومة والعداوة، هي مسألة خلق القرآن، فإنها كانت محنة لأحمد في حياته من الأمراء والخلفاء، ثم كانت محنة الفكر من بعده، فالعامة لا يقبلون قولاً من أحد إلا إذا قدمه بوصف القدم لما يتصل بكتاب الله تعالى.

ويصف ذلك ابن قتيبة وهو من شاهد وعاين، فيقول: "ربما ورد الشيخ المصر، فقعد للحديث... فيبدءونه قبل الكتاب بالمحنة، فالويل له إن تلعثم، أو تمكث، أو سعل، أو تنحنح قبل أن يعطيهم ما يريدون، فيحمله الخوف من قدحهم فيه، وإسقاطهم له على أن يعطيهم الرضا، فيتكلم بغير علم، ويقول بغير فهم فيتباعد من الله في المجلس الذي أمل أن يتقرب فيه، وإن كان ممن يعقد على مخالفتهم سام نفسه إظهار ما يحبون ليكتبوا عنه.. وإن رأوا حدثاً مسترشداً، أو كهلاً متعلماً سألوه، فإن قال لهم أنا أطلب حقيقة هذا الأمر، وأسأل عنه، ولم يصح لي شيء بعد

395