425

[التحريم: 12]. كما قيل في أبي بكر رضي الله عنه الصديق. { كانا يأكلان الطعام } هذا تنبيه على سمة الحدوث وتبعيد عن اعتقاد ما اعتقدته النصارى فيهما من الألوهية لأن من احتاج إلى الطعام وما يتبعه من العوارض لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام.

{ انظر كيف نبين لهم الآيات } أي الاعلام في الأدلة الظاهرة على بطلان ما اعتقدوه، وهذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم وفي ضمن ذلك الأمر لأمته بالنظر في ضلال هؤلاء وبعدهم عن قبول ما نبهوا عليه. { ثم انظر أنى يؤفكون } كرر الأمر بالنظر لاختلاف المتعلق لأن الأول أمر بالنظر في كونه تعالى أوضح لهم الآيات وبينهما بحيث لا يقع معها لبس، والأمر الثاني هو بالنظر في كونهم يصرفون عن استماع الحق وتأمله أو في كونهم يقلبون ما بين لهم إلى الشد منه وهذان أمرا تعجيب. ودخلت ثم لتراخي ما بين العجبين وكأنه يقتضي العجب من توضيح الآيات وتبيينها ثم ينظر في حال من بينت له فترى إعراضهم عن الآيات أعجب في توضيحها لأنه يلزم من تبيينها تبنها لهم والرجوع إليهما فكونهم أفكوا عنها أعجب.

{ قل أتعبدون } الآية لما كان إشراكهم بالله تضمن القول والاعتقاد جاء الختم بقوله: وهو السميع أي لأقوالكم العليم باعتقادكم وما انطوت عليه نياتكم. وفي الاخبار عنه تعالى بهاتين الصفتين تهديد ووعيد على ما يقولونه ويعتقدونه وتضمنت الآية الإنكار عليهم حيث عبدوا من دونه من هو متصف بالعجز عن دفع أو جلب نفع. قيل ومن مرت عليه مدد لا يسمع فيها ولا يعلم لجدير أن لا يعبد كيف وقد تركوا عبادة القادر على الإطلاق السميع للأصوات العليم بالنيات.

{ قل يأهل الكتاب لا تغلوا } ظاهره نداء أهل الكتاب الحاضرين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتناول من جاء بعدهم ولما سبق القول في أباطيل اليهود وثنى بأباطيل النصارى جمع الفريقان في النهر عن الغلو في الدين وانتصب غير الحق على معنى غلوا غير الحق وهو الغلو الباطل.

وليس المراد هنا بالدين ما هم عليه بل المراد الدين الحق الذي جاء به موسى وعيسى عليهما السلام. ومن غلو اليهود إنكار نبوة عيسى وادعاؤهم فيه أنه لغيه ومن غلو النصارى ما تقدم من اعتقاد بعضهم فيه أنه الله وبعضهم أنه أحد آلهة ثلاثة.

{ ولا تتبعوا أهوآء قوم } الآية، هؤلاء القوم هم أسلاف اليهود والنصارى ضلوا في أنفسهم وأضلوا غيرهم كثيرا ثم عين ما ضلوا عنه وهو السبيل السوي المتوسط في الدين. وتخصيص ابن عطية والزمخشري عموم أهل الكتاب بالنصارى خروج عن الظاهر وهو العموم من غير داعية إلى ذلك ويؤيد العموم قوله بعد ذلك على لسان داود وعيسى ابن مريم، داود بالنسبة إلى اليهود وعيسى بالنسبة إلى النصارى.

{ لعن الذين كفروا } الآية، قال ابن عباس: لعنوا بكل لسان لعنوا على عهد موسى في التوراة وعلى عهد داود في الزبور وعلى عهد عيسى في الإنجيل وعلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن ولعن مبني للمفعول حذف فاعله فيجوز أن يكون الله ويجوز أن يكون الفاعل غيره تعالى كالأنبياء. والأفصح أنه إذا فرق بين الجزأين اختير لفظ الإفراد على لفظ التثنية وعلى لفظ الجمع فلذلك جاء على لسان مفردا ولم يأت على لساني داود وعيسى ولا على ألسن داود وعيسى فلو كان المتضمنان غير مفترقين اختير لفظ الجمع على التثنية وعلى الإفراد نحو قوله تعالى:

فقد صغت قلوبكما

[التحريم: 4]، والمراد باللسان هنا الجارحة لا اللغة أي أن الناطق بلعنهم هو لسان داود وعيسى. { ذلك بما عصوا } أي ذلك اللعن كائن بسبب عصيانهم وذكر هذا على سبيل التوكيد وإلا فقد فهم سبب ولكن بإسنادها إلى من تعلق بهذا الوصف الدال على العلية وهو الذين كفروا كما تقول: رجم الزاني، فيعلم أن الرجم سببه الزنا، كذلك اللعن سببه الكفر، ولكن أكد بذكره ثانية في قوله: ذلك بما عصوا، وما مصدرية في قوله: بما عصوا أي بعصيانهم وكانوا يجوزان يكون معطوفا على عضوا فيكون داخلا في صلة ما أي بعصيانهم وكونهم ويجوز أن يكون إخبارا من الله تعالى أن شأنهم الإعتداد.

{ كانوا لا يتناهون } الآية ظاهرة التفاعل بمعنى الاشتراك أي لا ينهي بعضهم بعضا وذلك أنهم جمعوا بين فعل المنكر والتجاهر به وعدم النهي عنه والمعصية إذا فعلت وقدرت على العبد ينبغي أن يستتر بها من ابتلي منكم بشيء من هذه القاذورات فليستتر فإذا فعلت جهارا وتواطؤا على عدم الإنكار كان ذلك تحريضا على فعلها وسببا مثيرا لإفشائها كثيرا.

Bilinmeyen sayfa