وظاهر قوله: { ومآ أنزل إليهم من ربهم } العموم في الكتب الإلهية مثل كتاب أشعياء وكتاب دانيال فإنها مملوءة من البشارة بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: ما أنزل إليهم من ربهم هو القرآن.
وظاهر قوله: { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } انه استعارة عن سبوغ النعم عليهم وتوسعة الرزق، كما يقال: قد عمه الرزق من فوقه إلى قدمه، ولا فوق ولا تحت. وقال ابن عباس وغيره: لأعطتهم السماء مطرها وبركتها والأرض نباتها، كقوله تعالى:
لفتحنا عليهم بركت من السمآء والأرض
[الأعراف: 96]. { منهم أمة مقتصدة } الضمير في منهم يعود على أهل الكتاب. والأمة هنا يراد بها الجماعة القليلة للمقابلة لها بقوله وكثير منهم. والاقتصاد: من القصد وهو الاعتدال، وهو افتعل بمعنى اعتمل واكتسب أي كانت أولا جائرة ثم اقتصدت. وقيل: هم مؤمنوا الفريقين كعبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعين من النصارى واقتصادهم هو الإيمان بالله تعالى. { وكثير منهم سآء ما يعملون } هذا تنويع في التفصيل فالجملة الأولى جاءت منهم أمة مقتصدة، جاء الخبر الجار والمجرور ومقتصدة وصف. والجملة الثانية جاء فيها الوصف الجار والمجرور. والخبر الجملة من قوله: ساءيا يعملون، وبين التركيبين تفاوت غريب من حيث المعنى وذلك أن الاقتصاد جعل وصفا والوصف ألزم للموصوف من الخبر فأتى بالطائفة الممدوحة بالوصف اللازم وأخبر عنها بقوله: منهم، والخبر ليس من شأنه اللزوم ولا سيما هنا فأخبر عنهم بأنهم من أهل الكتاب في الأصل ثم قد تزول هذه النسبة بالاسلام فيكون التعبير عنهم والإخبار بأنهم منهم باعتبار الحالة الماضية. وأما في الجملة الثانية فإنهم منهم حقيقة لأنهم كفار فجاء الوصف بالإلزم ولم يجعل خبرا أو جعل خبر الجملة التي هي " ساء ما يعملون " لأن الخبر ليس من شأنه اللزوم فهم بصدد أن يسلم ناس منهم فيزول عنهم الإخبار بمضمون هذه الجملة واختيار الزمخشري في ساء أن تكون التي لا تتصرف قال: فيه التعجب كأنه قيل: وكثير منهم ما أسؤا عملهم، ولم يذكر غير هذا الوجه. واختار ابن عطية أن تكون المتصرفة تقول: ساء الأمر يسوء.
وأجاز أن تكون غير المتصرفة فتستعمل استعمال نعم وبئس، كقوله تعالى: { سآء } ، مثلا فالمتصرفة تحتاج إلى تقدير مفعول أي ساء ما كانوا يعملون المؤمنين، وغير المتصرفة تحتاج إلى تقدير تمييز أي ساء عملا ما كانوا يعملون. " انتهى ". فإذا كانت ساء للتعجب كان وزنها فعل كما تقول: قضوا لرجل، أي ما أقضاه. وكذلك يكون وزنها فعل إذا كانت من باب نعم وبئس وإذا كانت متصرفة متعدية كان وزنها فعل بفتح العين ويجوز في ما أيضا أن تكون مصدرية أي ساء عملهم وأن تكون موصولة بمعنى الذي ويكون التقدير ما يعملونه وحذف الضمير العائد على الموصول.
{ يأيها الرسول } الآية، هذا نداء بالصفة الشريفة التي هي أشرف أوصاف الجنس الانساني وأمر بتبليغ ما أنزل الله إليه وهو عليه السلام قد بلغ ما أنزل إليه فهو أمر بالديمومة. { وإن لم تفعل } تبليغ ما أنزل إليك. وظاهر هذا الجواب لا ينافي الشرط إذ صار المعنى وإن لم تفعل لم تفعل فالجواب لا بد أن يغاير الشرط حتى يترتب عليه. وقال الزمخشري: المراد وإن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله من العقاب، فوضع السبب موضع المسبب ويعضده قوله عليه السلام: فأوحى الله إلي ان لم تبلغ رسالاتي لأعذبنك. " انتهى ". وقال ابن عطية: أي ان تركت شيئا فكأنك قد تركت الكل وصار ما بلغت غير معتد به، فمعنى وإن لم تفعل، وإن لم تستوف.
{ والله يعصمك من الناس } قال محمد بن كعب: نزلت بسبب الإعرابي الذي اخترط سيف النبي صلى الله عليه وسلم ليقتله. " انتهى ". وهو غورث بن الحارث وذلك في غزوة ذات الرقاع.
" وهذه الآية نزلت بالمدينة والرسول مقيم بها سهر ليلة وحرسه سعد وحذيفة. فنام حتى غط فنزلت فأخرج إليهما رأسه من قبة آدم وقال: انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله لا أبالي من نصرني ومن خذلني "
وأصل هذا الحديث في صحيح مسلم.
{ إن الله لا يهدي } الآية أي من قضي عليه بالكفر والموافاة عليه لا يهديه الله أبدا فليس لفظ الكافرين على عمومه لأنه قد وجد كفار وقد هداهم الله.
Bilinmeyen sayfa