419

ويؤيدان اليدين هنا بمعنى الانعام قرينة الإنفاق ومن نظر في كلام العرب أدنى نظر عرف يقينا أن بسط اليد وقبضها استعارة للجود والبخل.

{ ينفق كيف يشآء } هذا تأكيد للوصف بالسخاء وإنه لا ينفق إلا على ما تقتضيه مشيئته. ولا موضع لقوله: ينفق، من الإعراب إذ هي جملة مستأنفة. قال الحوفي: كيف سؤال عن حال وهي نصب بيشاء. " انتهى ". ولا يعقل هنا كونها سؤالا عن حال بل هي بمعنى الشرط كما تقول كيف يكون أكون وفعول يشاء محذوف وجواب كيف محذوف يدل عليه ينفق المتقدم كما يدل في قولك: أقوم ان قام زيد، على جواب الشرط والتقدير ينفق كيف يشاء أن ينفق كما تقول: كيف أضربك أضربك ولا يجوز أن يعمل في كيف ينفق لأن اسم الشرط لا يعمل فيه ما قبله إلا إن كان جارا فقد يعمل في بعض أسماء الشرط ونظير ذلك قوله تعالى:

فيبسطه في السمآء كيف يشآء

[الروم: 48].

{ وليزيدن كثيرا } ذكر كثيرا لأن منهم من آمن كعبد الله بن سلام. { وألقينا بينهم العداوة والبغضآء } الآية، قيل: الضمير في بينهم عائد على اليهود والنصارى لأنه جرى ذكرهم في قوله: لا يتخذوا اليهود والنصارى أولياء، ولشمول قوله: قل يا أهل الكتاب، للفريقين، وهذا قول الحسن وغيره. وقيل: هو عائد على اليهود إذ فيهم جبرية وقدرية وموحدة ومشبهه وكذلك فرق النصارى كالملكانية واليعقوبية والنسطورية والذي يظهر أن المعنى لا يزالون متباغضين متعادين فلا يمكن اجتماع كلمتهم على قتالك ولا يقدرون على حربك ولا يصلون إليك ولا إلى أتباعك لأن الطائفتين لا تواد بينهما فيجتمعان على حربك وفي ذلك اخبار بالمغيب وهو أنه لم يجتمع لحرب المسلمين جيش يهود ونصارى منذ كان الإسلام وإلى هذا الوقت.

{ كلمآ أوقدوا نارا للحرب } الآية قال الجمهور: هي استعارة. وإيقاد النار عبارة عن إظهار الحقد والكيد والمكر بالمؤمنين والاغتيال والقتال وإطفاؤها صرف الله عنهم ذلك وتفرق آرائهم وحل عزائمهم وتفريق كلمتهم وإلقاء الرعب في قلوبهم فهم لا يرون محاربة أحد إلا غلبوا وقهروا ولم يقم لهم نصر من الله على أحد.

{ ويسعون في الأرض فسادا } الظاهر أنه يراد به العمل والفعل، أي يجتهدون في الكيد للإسلام ومحو ذكر الرسول من كتبهم، والأرض يجوز أن يراد بها الجنس أو أرض الحجاز فتكون آل فيه للعهد.

{ ولو أن أهل الكتب ءامنوا واتقوا } قيل المراد أسلافهم ودخل فيها المعاصرون بالمعنى والغرض الاخبار عن أولئك الذين أطفأ الله نيرانهم وأذلهم بمعاصيهم والذي يظهر أنهم معاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ذلك ترغيب لهم في الدخول في الإسلام وذكر شيئين وهما الإيمان والتقوى، ورتب عليهما شيئين وهما قابل الإيمان بتكفير السيئات إذ الإسلام يجب ما قبله، ورتب على التقوى وهي امتثال الأوامر واجتناب النواهي دخول جنة النعيم وأضاف الجنة إلى النعيم تنبيها على ما كانوا يستحقونه من العذاب لو لم يؤمنوا ويتقوا. وإن في قوله: ولو أنهم، حرف مصدري ينسبك منه ما بعده مصدر. فقيل: يرتفع على الفاعلية التقدير لو ثبت إيمانهم وتقواهم لكفرنا عنهم. وقيل: هو مبتدأ والخبر محذوف التقدير لو أن إيمانهم وتقواهم موجودان لكفرنا.

{ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل } الآية هذا استدعاء لإيمانهم وتنبيه لهم على اتباع ما في كتبهم وترغيب لهم في عاجل الدنيا وبسط الرزق عليهم فيها إذ أكثر ما في التوراة من الموعود به على الطاعات هو الإحسان إليهم في الدنيا ولما رغبهم في الآية قبل في موعود الآخرة من تكفير السيئات وإدخالهم الجنة رغبهم في هذه الآية في موعود الدنيا ليجمع لهم بين خيري الدنيا والآخرة، وكان تقديم موعود الآخرة أهم لأنه هو الدائم الباقي والذي به النجاة السرمدية والنعيم الذي لا ينقضي.

ومعنى إقامة التوراة والإنجيل إظهار ما انطوت عليه من الأحكام والتبشير بالرسول والأمر باتباعه فهو كقولهم: أقاموا السوق، أي حركوها وأظهروها وذلك تشبيه بالقائم من الناس إذ هي أظهر هيئاته وفي قوله: والانجيل، دليل على دخول النصارى في لفظ أهل الكتاب.

Bilinmeyen sayfa