430

ومنها أن طريقته عليه السلام منذ قيامه إلى يومنا هذا واحدة، وأفعاله الحسنة على قصودة المخلصة شاهدة، ودلائل زهده في الدنيا ورغبته في الأخره مترادفة، ألم يروا وقد مكن الله في الأرض بسطته، وأتم عليه بالفتح والنصر نعمته، وأفاده لنفسه من جزيل الأموال، وطيبات الحلال من النذور والبر والأنفال ما لا يحصره الحساب، ولا تحده الخزائن والأبواب اللهم بلى وعسى لو فرغ لهما بعض الأمصار أو المدائن الكبار كيف [150أ-أ] أفناها نوالا، وقسمها سجالا، وفرقها يمينا وشمالا، ولم يكنزها قناطر مقنطرة، ولا أبقى منها ذخيرة مدخرة، ولا سكر ولا دسكر منها سكرة، ولا تحجر بها ضياعا، ولا جنى لعدمها متاعا، ولا عمر دارا، ولا استقر قرارا، ولا يعمل لنفسه من معايشها دثارا ولا شعارا مع جواز ذلك كله، وظهور إباحته وحله، ولو تمكن كثير من هؤلاء المظهرين للزهادة، المتشاغلين عن الفروض بنوافل العبادة من بعض من ذكرنا لضاقت به وبأهله الأرض، ولشغله أهله وماله عن النفل والفرض، ولا أخلد إلى قرارت الأوطان، وأوسع من مكسوبات الأطيان، وشيد رؤوس القصور وشرف، ورفع غرف الدور وزخرف، ومال بنفسه إلى تخفيف التكليف وعدلها، وعذرها في ترك الجهاد وتأول لها، ونزر نعم الله عليه وقلل وغمغم، ونكس رأسه أن يسلل، وأنفق عرضه دون ماله وبذل، وأخذ من الدين ما يسهل، أما ابن الحسين فكلا بل بنا بها مجدا، وأنفقها في سبيل الله عرضا ونقدا، واتخذها عند الرحمن عهدا، سمع قوله تعالى: {جاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} فامتثل وجاد بنفسه الكريمة وأمواله الجسيمة في ملاحم الجلاد، ومواطن الجهاد، وبذل حتى أباد المجرمين، ودمر الظالمين، وقمع المفسدين، وأعلى كلمة الدين، وتمكن في البلاد، وأيده الله في الإمداد، وأظهره على أضداد فقلتهم وأخذهم في كل مرصد، وشردهم كل مشرد إلى أن غلب على بعض أهل دعوته الحسد، وطال على بعضهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون، فهناك أوحت شياطين الجن إلى إخوانهم من الإنس بالتخذيل، وألقى بعضهم إلى بعض زخرف الأقاويل وغرور الأباطيل، وخاضوا في قال وقيل، فلبسوا على من ليست له بصيرة، واستظهروا بكل قبيح السيرة خبث السريرة، قربوا من كانوا يباعدون، وأنسوا من كانوا منه يستوحشون، ووسموهم بسمة الدين، ولبسوهم جلود الضأن من اللين، وسودوهم بإمامهم مبخسين، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير متعمقين: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضائت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون}.

ومنها إنما عرف من طريقته، وظهر من سيرته في سني دوله من التصرفات المشهورة، والأقوال والأفعال المقرورة، مشهودة محصورة، لم يبتدع فيها أمرا منكرا ، ولا جاء شيئا نكرا، ولا اكتسب إثما، ولا ركب محرما، بل أقام دينا قيما، واستقام حنيفا مسلما، يؤدي فروض الله ومسنوناته، ويتحاما معصياته ومكروهاته، ويتوخى المزلفات من قرباته، ويقيم حدوده، ويأمر بالعدل والإحسان عبيده.

فأما مطاعنهم بما ينكرون من بعض عماله ونوابه وأعوانه وأصحابه من ظاهر عدوان في زيادة أو نقصان، أو قلة إحسان فقد جاءوا ما هو أنكر وأدهى وأمر، وأصحابهم وأعوانهم أشر وأظلم وأجور، ومن في جنبة أمير المؤمنين كأين جابر، وأين غدير العاثر، أو كجنائز الفاجر، وكم أعد من ختار كافر، فإذا كان هذا أشف ما يذكرون، وأقوى ما عليه يعتمدون وبه يستبصرون فهم إذن شر مكانا، والله أعلم بما يصفون.

Sayfa 463