429

فأما التهويل بكونهم علماء الإسلام، وفضلاء الأنام، وقلة من بقي منهم مع الإمام فلا تعويل عليه لذوي الأحلام فإن الحق إنما يتميز عن الباطل بالدليل لا بالتعظيم والتبجيل، والتكثير والتقليل، وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من زلات العلماء فقال: ((أخوف ما أخاف على أمتي زلات العلماء، قيل: فما المخرج يا رسول الله؟ قال: إذا زلو فلا تتبعوهم))، وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو إمام الأئمة، والحجة على الأمة للحرث بن حوط وقد ارتاب في أهل الشام لما كثر عليه اجتماعهم على مكانتهم من العلم والعبادة، وشدة الورع والزهادة مع البسالة والجودة، وشدة البأس والنجدة، فقال عليه السلام: يا حار، إنه لملبوس عليك، إن الحق لا يعرف بالرجال، وإنما الرجال يعرفون بالحق، فاعرف الحق تعرف أهله قلوا أم كثروا، واعرف الباطل تعرف أهله قلوا أم كثروا، وحاربهم عليه السلام على مثل ما هؤلاء فيه، وكانوا يصومون سرمدا، ويحيون الليل فنونا وتهجدا، فقتلهم ركعا وسجدا، وأحصاهم إلا القليل عددا، مضيا على البصيرة الباقية، والعزيمة القاضية، وأين حال أولئك عن أهل زماننا هذا وأكثرهم خلف قد أضاعوا صلواتهم، واتبعوا شهواتهم، وأخلفوا دياناتهم، وخانوا أماناتهم، وأصروا ...... هم ومروءاتهم، وما أرى حجتهم لكونهم أهل العلم والفضل ورجاحة العقل إلا حجة قريش على إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأحلامهم وعقولهم، وسفه أحلام المؤمنين[149ب-أ] حيث قالوا: {أنؤمن كما آمن السفهاء} فقد أحسن الله الرد عليهم فقال: {ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} ومنها أن هذا الإمام عليه السلام لم يرد بالقيام مكابرة ولا مفاخرة، ولا إدراك أغراض دنيوية، ولا شفا غيظ مغياظ لحمية، ولا دعا إلى عصبية، ولا إفادة مال، ولا علو حال، شهد بذلك مشاهد الحال، وما يغني فيه النظر عن السؤال إذ كان نائلا كل منال، حيث آتاه الله من عظيم الشأن ورفيع الصوت والمكان ما فات به النظير، وصغر معه كل كبير، لا يسبق بكلام، ولا يمشي خلف إمام، ولا يقعد إلا في الصدور، ولا يمد عينيه إلا الندرة، يعظمه الكافة ويبجلونه، ويحف به العلماء ويشيعونه، ويؤملونه للقيام ويؤهلونه، وهو إذ ذاك في رغد العيش وسعة الرزق تهدى إليه تحف الطيبات، وتجبى إليه من كل الثمرات، ناعم الحال، فارغ البال، يتفنن في مونقات رياض العلم، ويتفكه من يانعات ثمار الفهم غير أنه لما ظهرت فضيلته، وذاعت في الآفاق كلمته، ورسخت في قلوب الناس محبته، وبذلت له النصرة على القيام بأمر إليه وجوه القبائل، وأرباب المعاقل، وكان قريبا من ديار الظالمين، ومنازل المجرمين، ومحال المفسدين، وقرارة الملحدين، وهم على ماهم فيه من إنكار النور، وارتكاب الفجور، وشرب الخمور، وإتيان الذكور، وقعت عليه الحجة لله، ولم يسعه القعود عن الجهاد في سبيل الله، فقام عليه السلام في أمر الله مشمرا، ولمرضاته مؤثرا، واستبدل عما كان فيه من الدعة بما صار إليه من تحمل الأثقال، وكره القتال، ومعاناة الجهال، واستغراق أوقاته بالاشتغال بحيث لا يلتذ بطعم ولا نوم، ولا يفرغ لأمر يخصه في ليل ولا يوم، صابرا لله محتسبا متعرضا لمنازل شريفة، ولزلف عظيمة في مقام كريم {وما يلقاها إلا الذين صبروا ومايلقاها إلا ذو حظ عظيم} فما أشبهه عليه السلام بسلفه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأشبه إنكارهم بإنكار المنكرين لنبوته المكذبين من أهل الكتاب والمشركين بعد أن كانوا يسمونه الأمين، ويعدونه في الصديقين، وكان أهل الكتاب يستفتحون به على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين.

Sayfa 461