منهاج المتقين في علم الكلام
منهاج المتقين في علم الكلام
حجة الجمهور قوله تعالى: {إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} ووجه الاستدلال بهذه الآية أنه تعالى أخبر إبراهيم عليه السلام أنه يأمر الناس أن يجعلوه إماما أي قدوة في دينهم وكذلك سائر الأنبياء قدوة والأئمة هم خلفاء الأنبياء في وجوب الاقتداء بهم، وكذلك القضاة والولاة والمفتون /441/، فسأل إبراهيم ربه أن يجعل من ذريته أئمة بهذا المعنى، فأخبره بامتناع ذلك في حق الظالمين، فدل على أنه لا يجوز أن يجعل من الفسقة أئمة ولا قضاة ولا أمراء ولا مفتين.
وبعد، فالإمامة إما أن يكون طريقها النص، ومعلوم أن الله لم ينص على فاسق، وإما أن يكون طريقها الاختيار فإنما أمر الناس أن يحسنوا الاختيار وينصحوا فيه للمسلمين فيختاروا من يكون الناس أقرب إلى الانقياد له؛ لأنه حينئذ يقوم لهم مقام أنفسهم، وكالوكيل في أمر دينهم ودنياهم، وليس هذه حال الفاسق؛ لأنه لا يأمنونه على دين ولا دنيا، فثبت أنه لا يجوز إمامة الفاسق.
وقد اختلف الجمهور في الإمام إذا فسق ثم تاب هل يحتاج إلى عقد جديد أو تعد له الإمامة من دون عقد، فقال بعضهم: لا بد من عقد جديد؛ لأن ولايته قد زالت، فلا تعود إلا بعقد كالمبتدأة.
وقال بعضهم: لا يحتاج؛ لأنه بالتوبة قد عاد إلى الحالة المرضية؛ ولأن في العقد الجديد مشقة وإظهارا للفاحشة وتشنيعا عليه وحطا من منزلته وكل ذلك قد ندب إلى ستره.
واختلفوا في الفسق من جهة التأويل، قال بعضهم: هو كفسق الخوارج بجامع خروجه عن ولاية الله والتأويل ضم جهالة إلى جهالة، فلا ينجيه عن الانعزال.
وقال بعضهم: يفترق الحال؛ لأنه مع فسق الجوارح تقدم على المعصية مع العلم بكونها معصية، فلا يؤمن أن يقدم على المحضورات في أمر الأمة متعمدا لذلك بخلاف فسق التأويل، فإنه تقدم عليه مع اعتقاده لحسنه وظنه أنه طاعة وشدة تخرجه عما يعلمه معصية.
Sayfa 695