منهاج المتقين في علم الكلام
منهاج المتقين في علم الكلام
وقال الجاحظ وأبو القاسم وأبو الحسين: كما يدل السمع على الإمامة يدل عليها العقل لا من حيث كون الإمام لطفا ولا من حيث أن من جهته يعرف أمر الدين والدنيا، لكن من حيث أن في الإمام دفع ضرر عن النفس، وذلك واجب؛ لأن الناس مع كثرتهم واختلاف هممهم وقوة دواعيهم إلى العدوان وميل أنفسهم إلى الظلم لا يكادون يتزجرون ويكف بعضهم شره عن البعض إلا إذا كان هناك رئيس له قوة وسطوة وأعوان، فيمنعهم خوفه عن التوثب والعدوان.
قالوا: ولهذا إذا ضعف السلطان أو تشاغل عن النظر في أمور العامة كثر في الناس الظلم والفساد وخافت الطرق وتغلب القوي على الضعيف وعضب الأعراب، فكيف إذا لم يكن سلطان رأسا؟
قالوا: ومعلوم أن في وجود السلطان واستقامته وقوة شوكته دفع هذا الضرر في الغالب.
يوضحه أنك لا تكاد تجد قبيلة في كل زمان إلا ولهم رئيس يمنع القوي من الضعيف وينتصف للمظلوم من الظالم ويدفع بعضهم عن ضرر بعض.
قالوا: والذي يقضي به العقل من ذلك هو رئيس ما ، فإما أن يكون من حقه أن يكون على الصفات المعتبرة فذلك لا يعلم إلا شرعا.
واعترض الجمهور هذا بأنه قد يظهر أيضا عند نصب الرؤساء فتن وحروب وتنازع بأن يأنف بعض الناس على رئاسته /436/ ولا يقتاد له ويجد كثيرا من الناس إذا ترك وراءه كان أقرب إلى الحق.
وأجاب أبو الحسين بأنه وإن كان كذلك إلا أن الضرر الذي يندفع بالرؤساء من التظالم والعدوان والمنع من الضعفاء أكثر من الضرر الذي يحصل بنصيبهم.
وأيضا فهذا الذي ذكره الجمهور نادر، ونحن إنما نبني على الغالب، قالوا: حب دفع أكثر الضررين بأقلهما.
وأما ما ذكرته الإمامية فهو ظاهر الفساد، أما قولهم: أنه لطف فباطل؛ لأنه لا طريق إلى ذلك عقلا، بل كثير من الناس لا يزجره الإمام.
وبعد، فأما أن يستغني الإمام عن لطف فيجوز أن يستغني غيره فلا يحتاج إليه، وإما أن لا يستغني فيحتاج إلى إمام آخر، والإمام إلى إمام.
Sayfa 685