منهاج المتقين في علم الكلام
منهاج المتقين في علم الكلام
وعلى هذا يحمل قوله: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} أي لا تعجل عليهم، وقال تعالى: {ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم} أي إن شاء عجل لهم العذاب وإن شاء تاب عليهم بتأخيره، فعلى هذا يكون معنى الآية أن الله لا يؤخر عقاب الشرك ويؤخر عقاب الفسق، وذلك هو الغالب، فإن الله تعالى عذب كثيرا من الكفار في الدنيا، إما بالاستئصال كما فعل بأكثر الأمم، أو بالقتل على أيدي المؤمنين وأخذ الأموال والذراري وتسليط بعضهم على بعض أو بالخذلان كالتجلبة بينهم وبين الشياطين أو سلب الألطاف ونحو ذلك على ما يفسر به قوله تعالى: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون}.
فإن قيل: وكذلك قد يعجل عقاب الفساق بهذا المعنى.
قلنا: هو كذلك ولكن المراد الأغلب، ولهذا قال تعالى: {لمن يشاء}.
ثم أنا نتتبع ما قالوه في الآية، أما قولهم أن التفضل لما كان مضمرا في الجملة الأولى وجب أن نضمره في الثانية، فلا نسلمه، ولا دليل عليه، بل لو كان مظهرا في الجملة الأولى لما وجب إضماره في الثانية، كما أن القائل إذا قال لا أعطى أهل الري شيئا وأعطى العلماء من أشياء لم يجب، ويكون التقدير وأعطى العلماء من أهل الري، ولهذا لما احتجت الحنفية على أن المسلم يقاد بالذمي بقوله عليه السلام: ((ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده))، قالوا: فالتقدير ولا ذو عهد في عهده بكفر؛ لأن الكافر مطهر في الجملة الأولى، فيجب إضماره في الثانية لما كانت بالعطف في حكم الجملة الواحدة.
فقال لهم الجمهور: لا يجب أن يضمر في الثانية ما أظهر في الاولى، وغنما يجب أن تظهر في الثانية ما لا تتم الفائدة غلا به وهو القتل، فيكون التقدير، ولا يقتل ذو عهد في عهده، أي ما دام معاهدا، ويكون فائدة هذا التقييد أن لا يتوهم متوهم أنه إذا خرج من العهد لم يقتل.
Sayfa 590