منهاج المتقين في علم الكلام
منهاج المتقين في علم الكلام
وأما شبههم السمعية فأقواها قوله تعالى: {أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}.
ووجه الاستدلال بها أن المعني لا يغفر أن يشرك به تفضلا، قالوا: فيجب أن يكون التقدير ويغفر ما دون ذلك تفضلا وذلك عام في الصغائر والكبائر، وأيضا فلو جعل ما دون ذلك على الصغائر والكبائر مع التوبة لكان لا وجه لتعلقه بالمشيئة؛ لأن غفرانها حينئذ واجب.
يوضحه أنه أضاف الغفران إلى نفسه /377/ ومع التوبة أو كون الذنب صغيرا لا يكون سقوط عقابه مضافا إلى أحد، وأيضا فما دون الشيء إنما يستعمل في ما قاربه، فيكون المراد الكبائر، كما أن القائل إذا قال: الألف فما دونه لم يحمل ما دونه على العشرة، وغنما يحمل على التسعمائة ونحوها.
ونحن نجيب على الجملة بما سقط تعلقهم بالآية رأسا فنقول: إنما يقتضي ظاهرها أن يغفر ما دون ذلك لمن يشاء تفضلا، فمن أين أنه قد شاء أن يغفر الكبائر تفضلا وهو محل النزاع لا سيما وغفراها يكشف عن الكذب في آيات الوعيد.
وبعد، فلا تعلق لواحد من فرق المرجئة.
أما من قال لا وعيد على مرتكبي الكبائر من أهل الصلاة كما ينسب إلى مقاتل وغيره.
فيقال له: إذا لم يكن عليهم وعيد يستحق فلا معنى للغفران؛ لأن الذنب ساقط.
وأما من قال أن الفاسق يعذب عذابا منقطعا كما يحكى عن المرء يسيء.
فيقال له: الآية عندك تقتضي الغفران، وأنت قطعت على نزول العقاب، فأين الغفران.
وأما من قال بالتوقف وهم الجمهور من المرجئة.
فيقال: ضم ظاهر الآية عندكم يقتضي القطع على المغفرة لمن عدا المشركين وأنتم تتوقفون، وقوله لمن يساء لا يقتضي الوقف؛ لأن الذي علق بالمشيئة هو تعيين المغفور له، فأما المغفرة فمطلقة، وإذا كان ظاهرها يقتضي ما لا يقول به أحد من الأمة وجب صرفها إلى الصغائر أو الكبائر مع التوبة.
Sayfa 588