منهاج المتقين في علم الكلام
منهاج المتقين في علم الكلام
قال أبو علي: قد بينا أن من فعل فعلا لغرض لم يجب أن يفعل ما سواه في ذلك الغرض كما إذا تصدق على مسكين نذرهم لا يجب أن يتصدق على كل فقير، وكما إذا أكل رمانة؛ لأنها حامضة لا تجب أن يأكل كل رمانة حامضة.
وأجاب الجمهور بأنه قد تقرر في العقل الفرق بين الفعل والترك فأوجب في من ترك فعلا لغرض أن يترك ما سواه في ذلك الغرض، ولم يوجب في من فعل فعلا لغرض أن يفعل ما سواه في ذلك الغرض، قالوا: ولا يضر الفرق بعلة الفرق.
والحق أنه لا فرق بين الموضعين، بل كما يجب أن يترك ما حصل فيه علة الترك يجب أيضا أن يفعل ما فيه علة الفعل لكن شرط بقاء تلك العلة وأن لا يعرض ما يزيلها.
وما ذكره الشيخ أبو علي من أن من تصدق على فقير بدرهم لا يجب أن يتصدق على غيره، وكذلك الرمانة فهو صحيح، لكن إنما لم يجب ذلك لحصول صارف صرفه عن التصدق على غيره حتى لو خلص الداعي، وبقي الغرض الذي لأجله تصدق على الأول، لوجب أن يتصدق على غيره، وإلا بطل أن يكون تصدق لذلك الغرض.
ولهذا لو سألت المتصدق فقلت: لم تصدقت على زيد لفقره؟ ولم تصدق على عمرو لفقره؟ لقال: إني لو تصدقت على عمرو وعلى كل فقير لنفد مالي وحصل على ضرر، فثبت أنه إنما لم يتصدق على غيره لحصول صارف أزال الغرض المتقدم، ونحن فرضنا المسألة مع بقاء الغرض، وكذلك من أكل رمانة لأنها حامضة إنما لم يجب أن يأكل الرمانة الأخرى وإن حصلت الحموضة لحصول صارف أو تناقض شهوة حتى لو خلص ما لأجله أكل الأولى لوجب أن يأكل الثانية.
حجة الشيخ محمد على ترجيح قول أبي علي أن التائب يجوز أن ينصرف عن القبيح لقبحه ولعظمه أو لقبحه ولكثرة الزواجر عنه أو لقبحه، ولكونه مكملا لذنوب كثيرة، وإذا كان كذلك جاز أن يندم على بعض القبائح لقبحه، ولهذه الصوارف ولا يندم على ما سواه في القبح فقط دون هذه الزوائد، وصار كمن يأكل طعاما لشهوة شديدة، فإنه لا يجب أن يأكل طعاما لشهوة قليلة، وإن اشتركا في الشهوة.
Sayfa 566