منهاج المتقين في علم الكلام
منهاج المتقين في علم الكلام
قيل له: لا بد أن يعلم المكلف في ما وصل إليه أنه ثواب أو عقاب لأمر يرجع إلى الحكمة، ولا بد من مقاربة التعظيم والاستحقاق أو العلم بأن الحكيم قصد ذلك.
ومنها أنه لا بد أن يخلص الثواب عن كل شائب، والعقاب عن كل راحة، وذلك لا يحصل في الدنيا.
ومنها أنه لا بد من اللطف مع ثبوت التكليف، ولا شك أن مع التأخير يكون أقرب إلى أن يفعل الطاعة؛ لأنها طاعة لا لطلب النفع وبترك المعصية؛ لأنها معصية لا لدفع الضرر، وهذا هو الوجه في جنس الإفناء، فلأجل هذه الوجوه تأخر إيصال المستحق.
نعم، قد يجوز إيصال بعض العقاب في الدنيا كالحدود ونحوها لصلاح يعلمه الله، ومثل هذا القدر لا يبلغ به المكلف حد الإلجاء.
فصل
يحرر من جهة العقل سقوط الاستحقاق مع ثبوت سببه المؤثر فيه؛ لأن تأثيره ليس كتأثير العلل التي لا يجوز انفكاكها عن معلولاتها، وإنما طريقة ما يحسن من الأفعال أو يقبح من حيث أن الاستحقاق هو حسن أمر أو وجوهب لأجل أمر متقدم على وجه لولاه لما حسن أو لما وجب، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يرد على ذلك الاستحقاق ما يزيله مع قيام سببه كالإساءة فإنها تزيل استحقاق الشكر على الإحسان مع ثبوت الإحسان، وكذلك الاعتذار يزيل الذم على الإساءة مع ثبوتها، وكذلك فإن الحقوق قد تسقط بالإبراء وبمقابلة حقوق آخر ونحو ذلك.
فصل
به يسقط استحقاق الثواب سببان:
أحدهما: الندم على فعل الطاعة ؛ لأنها طاعة، فإنه يصير بذلك في حكم من لم يفعلها كالندم إلى الإحسان إلى الغير.
الثاني: أن يفعل معصية يريد عقابها على ثوابه أو يساويه عند من يخير المساواة ويصير كمن يسيء إلى غيره إساءة يزيد على إحسانه أو يساويه.
ولا يجوز إسقاطه بإسقاط الله تعالى، كما جاز في العقاب؛ لأن العقاب حق لله، فجاز منه إسقاطه، وكذلك لا يجوز إسقاطه بإسقاط العبد المستحق له؛ لأنه ليس إليه استيفاؤه حتى يكون إليه إسقاطه، بل هو في حكم المولى عليه.
Sayfa 549