منهاج المتقين في علم الكلام
منهاج المتقين في علم الكلام
فصل والدليل على استحقاق الثواب على الطاعة وترك المعصية أن الله تعالى كلفنا الشاق، فلا بد من عوض في ذلك، وليس إلا ما نعود إلى المكلف بالنفع كما تقدم.
وبعد، فقد كلفنا الشاق مع إمكان أن نجعله غير شاق بأن نزيد في وقتنا أو نزيل الشهوة والنفار ويعيننا بالحسن عن القبيح، فلو لم نخبره بنفع كان ظلما من حيث أن إلزام المشاق تجري مجرى إنزال المشقة، وهذا النفع لا يصح أن يكون تفضلا؛ لأن التفضل يحسن الابتداء به، فيكون التكليف لأجله عبثا؛ ولأن التكليف وجوب نفع من جهة المكلف والتفضل لا يجب.
فإن قال: هلا كان له أن يلزمنا الشاق في مقابلة النعمة التي علينا له تعالى وتجري هذه العبادات مجرى الشكر لها ويكون الثواب تفضلا؟
قيل له: مثل هذا القدر من النعم لا يقابل إلزام الشاق وإنزال العقاب على الإخلال به.
وبعد، فلا يحسن في الشاهد إلزام الشاق لأجل النعمة، ويقل للمنعم عليه أن يقول كان الأولى أن لا ينعم علي ولا يلزمني الشاق.
وبعد، فحسن التكليف مشروط بأصول النعم، فلا يصح أن يكون في مقابلتها التكليف.
وبعد، فهذا يؤدي إلى أن يسقط وجوب شكر نعمة الله علينا؛ لأنا قد فعلنا ما يقابلها، بل كان يلزم أن لا يبقى علينا له نعمة وخلافه معلوم.
وبعد، فكون التكليف نعمة مستقلة أولى من جعله في مقابلة النعمة ومسقط بها.
وبعدن فجعله للتكليف شاقا مع إمكان أن يجعله غير شاق يكون عبئا لولا الثواب في مقابلته.
فإن قال: هلا كفا استحقاق المح على الطاعة دون الثواب، فإنا رأينا العرب يبذلون الرغائب في طلب المدح والثناء.
قيل له: متى تجرد المدح عن نفع نضامه لم يقع به اعتداد، وإنما يبذلون الرغائب في ذلك لاعتقاد النفع على أن المدح كما يستحق من جهة الله يستحق من جهة غيره، وقد بينا أن الجزاء على الشاق يكون على من ألزم الشاق دن غيره.
وأيضا فكما يستحق المدح على الشاق يستحق عليه لو لم يكن شاقا فلا بد من نفع يقابل المشقة.
Sayfa 545