منهاج المتقين في علم الكلام
منهاج المتقين في علم الكلام
شبهتهم أن الرسول يحتاج في كل زمان، إما لأمر ديني كالدعاء إلى الله والتنبيه على الأدلة العقلية أو لأمر دنيوي كمنع الظالم والزجر عن الفساد وتعريف اللعان والفصل بين الأغذية والسموم ونحو ذلك.
والجواب: لا يسلم أن يكون لبعثة الرسل وجه غير كونها لطفا؛ لأن التنبيه على معرفة الله، والدعاء إليه لا يستقل وجها في حسن البعثة من حيث لا يمكن معرفة اتباع الرسل وأجابتهم إلا بعد معرفة الله.
وأيضا فالدعاء إلى الله والتنبيه على توحيده يتم بدون الأنبياء بأن يتنبه من ذي قبل أو يقوم الصالحون به، فلا يحتاج إلى الأنبياء، وكذلك قولهم يبعث مؤكدا لما في العقول؛ لأن في العقول عيبة عنه.
وأيضا فكان لا يفترق الحال بين نبي واحد وأنبياء كبيرة، فكان لا يجوز بعث أكثر من واحد في جميع الأزمان.
على أنه لو وجبت البعثة لما يرجع إلى التنفية وحفظ الصحة لما حاز من الله أن يميت المكلفين، ولما حسن بنفيه من جهل ما يبعث به الأنبياء.
فصل
وقد تقدم أن البعثة متى حسنت وجبت، والذي يختص هذا الفصل أنه إن كان الصلاح يتعلق ببعثة شخص معين وجب بعثته على التعيين أو يتعلق به وبغيره على الجمع وجب على الجمع.
أو على البدل كان الله مخبرا في بعثة أيهما شاء على البدل.
وعلى الجملة فإنه يحسن بعثة من في بعثته صلاح للمرسل إليهم وصلاح للمرسل نفسه، وقد كان يجوز أن يبعث الله إلى بني آدم بالرسالة ملائكة أو جنا، لكن لما كان كل جنس أقرب إلى القبول من جنسه جعلت رسول كل خلق من جنسهم، ولهذا قال تعالى: {قل لو كان في الأرض /330/ ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا} وهذا إذا استوت المصلحة في بعثة الجنس وغير الجنس، فأما إذا تعلقت المصلحة ببعثة غير الجنس تعين كما يرسل الملائكة إلى الأنبياء وكما أرسل الأنبياء عليهم السلام إلى الجن.
Sayfa 504