منهاج المتقين في علم الكلام
منهاج المتقين في علم الكلام
وبعد، فإذا اعتمد في ذلك على الشاهد، فمعلوم أن الشاهد إذا لم يكن متكلما بهذه الحروف، والأصوات كان أخرس أو ساكتا، فيلزم إذا لم يكن الباري متكلما بها في مالم يزل أن يكون أخرس أو ساكتا.
وبعد فلا شك أنه تعالى أمر بأشياء دون أشياء واختر ناسيا دون أشياء.
وبالجملة فهو متكلم في أشياء دون أشياء، فيلزم أن يكون تعالى أخرس أو ساكتا غما لم يرد له فيه كلام.
وقد أجاب بعضهم بأن قال: الكلام القديم يستحيل بقديره على وجه آخر.
وهذا زلل وخطل؛ لأنا إنما ألزمناهم ثبوت ضد الكلام في مالم يرد يه كلام ولم يلومهم تقديرا لكلام على وجه آخر.
على أن هذا تصريح بأنه لا يصح وصفه تعالى بأنه يصح أن يأمر بمالم يأمر به في مالم يزل.
وأجاب آخرون بما معناه أنه لم يخل شيء قط عن أن يكون لله فيه كلام فما أمر به أخبر أنه أمر به وما نهى عنه، فقد أخبر بأنه نهى عنه، ومالم يأمر به فقد أخبر بأنه لم يأمر به.
وهذا أشد تهافتا؛ لأن من أمر بشيء لم يوصف بأنه مخبر بأنه أمر به، وكذلك من لم يأمر لا بوصف بأنه أخبر بأنه لم يأمر ولا شبهة عند أحد من أهل التمييز في أن الخبر يخالف الأشياء، ولو صح ما قاله هذا لصح دخول التصديق والتكذيب في الأمر والنهي وتركها.
وقولهم: أنه تعالى يعلم جميع الأشياء، وكل من علم شيئا فلا بد أن يكون في نفسه خبر عنه يطابق قضية علمه، فهو هدر لا حاصل له /318/ ودعوى لا دليل عليها.
أما أولا فأحدنا يجد نفسه غير مخبره عن كثيرة مما يعلمه، ولولا ذلك لصح أن يقول لمن لقينا صدقت أو كذبت؛ لأنه ما من أحد إلا ويعلم أشياء.
وأما ثانيا فيقول: لم كان الخبر مطابقا للعلم في حقه تعالى دون الأمر، وهلا كان أمرا بما بعلمه وإن كان قبيحا، وليس في ذلك أكثر من الأمر بالقبيح، فقد جوز، وأما هو أعم منه وهو إرادته وفعله.
Sayfa 486