منهاج المتقين في علم الكلام
منهاج المتقين في علم الكلام
وقولهم: إن ذلك الطلب هو الأمر باطل؛ لأن أحدنا يجد نفسه طالبة لفعل من الأفعال ولا يوصف بأنه آمر به مالم يقل أفضل؛ لأنه قد اتفق العقلاء من أهل اللغة على أن الأمر من قبيل الأقوال وقد ادعى أهل العناد منهم أن هذا الطلب النفسي يوصف بأنه قول، ومن بلغ في التجاهل إلى هذا الحد سهلت مكالمته، وقيل له: فهلا جعلت العلم والشهوة من قبيل الأقوال؟
وبعد فعند الخصوم أن السيد إذا أراد أن يظهر عصيان عبده له فإنه يأمره ولا يجد نفسه طالبة للفعل؛ لأن وقوع الفعل ظهور كذبه، فقد حصل الأمرين ممن دون طلب.
قالوا: الدليل على الكلام النفسي أن أحدنا إذا أراد الكلام وجد في نفسيه معنى، فذلك هو الكلام.
قيل لهم: الذي يجده في نفسه هو تصور الكلام والعزم عليه والعلم بترتب حروفه والتفكر في كيفية إيراده، وكل هذه كما يجدها أحدنا من نفسه قبل الكلام بحدها أيضا قبل الكتابة، وقبل البناء والسفر، فهلا كانت الكتابة والبناء والسفر معاني في النفس.
قالوا: العرب تقول: في نفسي كلام يقولون في نفسي الحج وبناء دار والسفر ونحو ذلك، فهلا جعلت معاني في النفس.
وأما قوله تعالى: {يقولون في أنفسهم} ونحوها، فلن يعدوا ما ذكرناه من عزمهم على إيراد هذا القول وتفكرهم في كيفية إيراده واعتقاد مقتضاه، ونحو ذلك، وقد قيل أنهم يطهرون هذه للأقوال في ما بينهم على حد لا يسمعها غيرهم ويوصف ذلك بأنه سر وبأنه قول في النفس.
ألا ترى أن أحدنا إذا كلم نفسه بحيث لا يسمعه أحد وصف بأنه سر، وقيل: فلان يحدث نفسه ويقول في نفسي وأشباه ذلك.
يوضحه أنه لو كان كما زعم الخصم من أن الذي في النفسي سيما كلاما وقولا للزم إذا أخطر أحدنا /314/ يناله أن يطلق امرأته أو يعتق عبده أن يطلق أو يعتق؛ لأنه قد قال: أنت طالق، ولكنه قال سرا ولا فرق بين السر والجهر في ذلك كما لو لفظ به في الخلاء.
Sayfa 480