منهاج المتقين في علم الكلام
منهاج المتقين في علم الكلام
فإن كان المبيح هو الله تعالى فالعوض عليه، وإن كان المبيح هو صاحب الطعام وصاحب الأرض بأن يقول: قد أبحت لفلان المسير في أرضي والأكل من طعامي، احتمل أن يكون العوض عليه؛ لأنه فاعل السبب، وقد كان متمكنا من تحذيره، واحتمل أن يكون لا عوض له؛ لأنه المضر بنفسه، واحتمل أن يكون العوض على الله تعالى؛ لأنهما مغتران جميعا، وقد أباح الله لهما ذلك وتصير إصراره بذلك كإضرار البهيمة به وبنفسها.
ومنها: الكلام في رجل خرج غيره خطأ فأخذ الأرش من ماله فاغتم، فعلى أصول الجمهور لا عوض له؛ لأنه الجاني على نفسه.
وعلى أصل أبي الحسين: يستحق العوض على الله تعالى؛ لأنه في حكم الساهي، ومن لا عقل له، وإنما لزمه الأرش لمصلحة شرعية كما لزم على فعل الصبي والبهيمة.
ومنها: الكلام في رجل جرح غيره فسرت الجراحة حتى قتلته، فإنما يستحق عليه عوض الجرح دون الزائد، وغنما تجب عليه القود لمصلحة شرعية، ومتى انقاد فمقدار ذلك الجرح مستحق، والزائد عوضه على الله تعالى.
فصل
ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز أن يتفضل الله بالأعواض التي تستحق على العباد حتى يوفيها عنهم.
وقال ابن الملاحمي وغيره: تجوز حجة الجمهور أنه يجب الانتصاف للمظلوم من الظالم، وإلا كانت التلخية بينهما قبيحة.
واعترض بأنه إنما يجب الانتصاف إذا لم يتفضل الله بانتفاء الحق عنه، وبكل واحد من الأمرين يخرج التخلية عن القبيح.
قال الجمهور: التفضل بما يجب على الظالم يسقط حق المظلوم ويخرجه من أن يكون له حق؛ لأن التفضل لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله.
قيل لهم: ليس في ذلك إسقاط حق المظلوم، بل يجب أن يوصل إليه منافع العوض، فإن تفضل الله بها سقط عن الظالم، وإن لم يتفضل بها فهي على الظالم وتصير كمن يقضي الدين عن غيره تفضلا، فكما أن هذا التفضل لا يسق حق صاحب الدين، بل أن يفضل به سقط وجوبه، وإن لم فوجوبه، فكذلك هذا.
Sayfa 470