665

Cemalet Makaleler

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

Yayıncı

دار النفائس للنشر والتوزيع

Baskı

الأولى

Yayın Yılı

١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م

Yayın Yeri

الأردن

يكون في بيته "في مِهْنَةِ أهله". (١)
وفي حديث علي ﵁ من رواية الترمذي ورواية عياض: "كان دخوله لنفسه، مأذونًا له في ذلك، فكان إذا أوى إلى منزله جزَّأ دخولَه ثلاثةَ أجزاء: جزءًا لله، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنفسه، ثم جزأ جزءه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدخر عنهم شيئًا"، (٢) أي كان له في بيته وقتٌ يجلس إليه فيه خاصةُ أصحابه ومَنْ له حاجة خاصة. ومعنى "يرد ذلك على العامة"، أنه تحصل منه منفعةٌ للعامة بما يرويه الخاصةُ من علمه للناس. وفي هذا دليلٌ على أن معظمَ ما عدا وقت دخوله إلى منزله كان وقتَ مجلسه، إلا إذا عرضت حاجةٌ يذهب إليها.
آداب مجلس رسول الله ﷺ -:
كيف لا يكون مجلسٌ يحتله رسول الله ﷺ ميدانَ تسابق الآداب إلى غاياتها، وجوًّا ترفرف فيه الكمالاتُ راقبةً إلى سماواتها؟ ! فإن صاحبَه هو الذي أدبه ربه بأحسن تأديب، وجلساءه هم أولئك الغُرُّ المناجيب، وناهيك بأن ورد بعض آدابه في الكتاب المجيد، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١].
قال الواحدي وابن عطية عن مقاتل وقتادة وزيد بن أسلم: كان النبي ﷺ يجلس في المسجد، فجلس يومًا وكان في المجلس ضيق؛ إذ كان الناس يتنافسون في القرب من رسول الله ﷺ، وفي سماع كلامه، والنظر إليه، وكان رسول الله ﷺ يُكرم

(١) عن الأسود قال: "سألت عائشة: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مِهْنَة أهله - تعني خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة". صحيح البخاري، "كتاب الأذان"، الحديث ٦٧٦، ص ١١٠؛ "كتاب النفقات"، الحديث ٥٣٦٣، ٩٥٨؛ "كتاب الأدب"، الحديث ٦٠٣٩، ص ١٠٥٥. وانظر في المعنى نفسه: الترمذي: الشمائل المحمدية، ص ١٤٧.
(٢) الترمذي: الشمائل المحمدية، الحديث ٣٢١، ص ١٢٢؛ البيهقي: دلائل النبوة، ج ١، ص ٢٨٨؛ اليحصبي: الشفا، ص ٩٣ (واللفظ للقاضي عياض).

2 / 683