297

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Yayıncı

دار الفكر العربي

يقرأ هو كلام الله تكلم به، وأوحى به إلى نبيه الكريم، والقراءة التي هي صوت القارئ الذي يُسمع، هي على ذلك غير القرآن، فهي نطق العبد، أما القرآن فكلام الله، ولذلك قال تعالى: ((وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه))، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((زينوا القرآن بأصواتكم))، وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم أبا موسى الأشعري، وهو يقرأ القرآن فقال له أبو موسى: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيراً)).

وإذا كانت القراءة صوت العبد فهي مخلوقة كما أن العبد مخلوق، ومثل القراءة المداد الذي تكتب به المصاحف فهو ليس كلام الله سبحانه وتعالى، وإن كان المكتوب كلامه سبحانه، ولقد قال تعالى: ((قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، ولو جئنا بمثله مدداً))، ففرق سبحانه وتعالى بين المداد الذي تكتب به كلماته، وبين كلماته(١).

بعد هذا يتجه ابن تيمية إلى توضيح فكرة الإمام أحمد والسلف رضي الله عنهم القائمة على أن الله سبحانه قد تكلم بالقرآن، وأنه غير مخلوق فيقول: ((السلف قالوا لم يزل الله متكلماً إذا شاء بالعربية، كما تكلم بالقرآن العربي، وما تكلم به فهو قائم به ليس مخلوقاً منفصلاً عنه، فلا تكون الحروف التي هي مباني أسماء الله الحسنى وكتبه المنزلة مخلوقة؛ لأن الله تكلم بها(٢))).

٣٠٣- وإن أقصى ما هوجم به رأي الإمام أحمد هو أن القرآن غير مخلوق؛ إذ أنه لو قيل هذا لكان مؤدى ذلك أن يكون القرآن قديماً، وحينئذ يتعدد القدماء ولا تتحقق الوحدانية التي توجب ألا يكون قديم غير ذات الله سبحانه وتعالى، ولذلك كانت المساجلة التي قامت بين المعتزلة وغيرهم تقوم على أساس أن المعتزلة يستمسكون بمنع تعدد القدماء، ولو قيل إن القرآن مخلوق لتتعدد القدماء.

(١) مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية جـ ٣ ص ٢١، ٢٢ طبع المنار.

(٢) الكتاب المذكور ص ٤٥.

296