ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Yayıncı
دار الفكر العربي
امتحانه إلا في عهد المتوكل؛ فقد أبعد المعتزلة فرفعت المحنة.
ومن الحق علينا أن نعرف رأي الإمام أحمد في هذه القضية، لأنه رأي ابن تيمية؛ وهو الذي وجهه ودافع عنه، ولأن ابن تيمية يراه رأي السلف الصالح. ورأي أحمد في هذا المقام هو الذي سجله في رسالته إلى المتوكل(١) وهذه الرسالة تدل على أن الإمام أحمد لا يستحسن الخوض في مثل هذا ولا يتعمق فيه، ولا يرضاه، وإن خاض فيه يخوض كارها، ليمنع الناس من أن يفتنوا بما يدعو إليه أهل الجدل في الدين، ولذا ختم الرسالة بقوله: «لست بصاحب كلام ولا أرى الكلام في شيء من هذا».
وتدل الرسالة أيضاً على أن الإمام أحمد رضي الله عنه يرى أن القرآن غير مخلوق، وهو ينطق بهذا تابعاً للسلف الصالح الذين قالوه، ولم يبتدعه ابتداعا، ولولا أنه حسب أن بعض التابعين قاله ما نطق به. ويزكي هذا الرأي بأن القرآن كلام الله، وكلام الله غير خلق الله وبأن القرآن أمر، والأمر غير الخلق، وبأن القرآن من علم الله سبحانه وتعالى، وعلم الله غير خلقه، وقد أخذ هذا كله من نصوص القرآن، ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأخبار الصحابة.
والأساس أن ما يصدر عن صفات الله تعالى وقدرته أيسمى خلقاً، وتطلق عليه كلمة مخلوق أم لا يسمى خلقاً، ولا تطلق عليه كلمة مخلوق، فالسلفيون لا يسمونه مخلوقاً والمعتزلة والجهمية من قبلهم سموه مخلوقاً.
٣٠٢- هذا رأي أحمد بن حنبل ونظره، ويتبعه في ذلك ويناصره تقي الدين ابن تيمية، فهو يرى أن القرآن غير مخلوق؛ ويرى أن ذلك رأي السلف؛ وأن من يقول غير ذلك مبتدع؛ وهو بعد ذلك يوضح نظر أحمد بالدليل ويوجهه بالنقول، ويقربه إلى العقول.
وأول ما يتجه ابن تيمية في نفس تقريب ذلك النظر أنه يقرر أن القرآن الذي
(١) راجع هذه الرسالة في كتاب (ابن حنبل) للمؤلف ص ١٣٤.
295