360

Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

المسالك، ولو كان قولا واحداً، ورواية واحدة لكان في ضيق، وما عالج الواقعة التي ابتلي بالاستفتاء فيها، إلا في نطاق ضيق لا يستطيع أن يتخير فيه ما يلائم الزمان، وما يتفق مع الأحوال والملابسات، ولا تكون الفتوى نيرة صالحة بغير ذلك.

٢٤٣- ولقد وجدنا في استقرائنا الفقهي أن الفقهاء الذين غلقوا باب الاجتهاد بكل طرائقه، وأحكموا الرتاج كانوا من الحنفية والشافعية، ووجدنا المالكية يقررون أن المفتي يجب أن يكون مجتهداً، بحيث يدرك تحقيق المناط، أي مخرجه، وتطبيقه وقالوا إن ذلك النوع من الاجتهاد لا يخلو منه زمان، بل هو باق ما بقي الإسلام والمسلمون، لأن الحوادث، وإن تشابهت صورها الماضية واللاحقة لا تتحد مشخصاتها، وقد يلابس واحدة ما يقتضي حكماً يغاير الأولى، ولا يعرف ذلك المقلد وإنما يعرفه المخرج، فكان المالكية بذلك أقرب إلى التوسعة من المذهبين الأولين

ولقد جاء الحنابلة بعد هؤلاء وأولئك، فقرروا أن باب الاجتهاد بكل طرائقه لا يغلق، وإن كانت القوى مختلفة، المدارك متباينة، فليس لأحد أن يغلق بابه، وإن كان الناس جميعاً ليسوا له أهلاً، بل كل ومداركه، وكل وما تيسر له، وقد يخلو بعض الأقاليم أو بعض المعاصرين من المجتهدين، وليس ذلك لأن الاجتهاد محرم، وبابه مقفل، بل لأن المدارك لم تتجه، والهمم تقاصرت، وإن كان السبب ميسراً والباب مفتوحاً.

وإن قضية فتح باب الاجتهاد في المذهب الحنبلي قضية تضافرت عليها أقوال المتأخرين وأقوال المتقدمين، حتى لقد قال ابن عقيل من متقدمي الفقهاء في ذلك المذهب الجليل؛ إنه لا يعرف خلافاً فيه بين المتقدمين، وإن أقر المتأخرون أنه قد يوجد عصر يخلو من المجتهد المطلق، فإن حمدان الحنبلي يقول: ((ومن زمن طويل عدم المجتهد المطلق، مع أنه الآن أيسر منه في الزمن الأول))

وترى من هذا أنه يقرر الواقع، ولكن لا يقره، بل يستنكره، فإذا وجدت أعصر لم يعرف فيها مجتهد، فليس ذلك مما يستبشر به، بل مما يستغرب منه، تتوافر السنن، وتدوين الآثار، واستنباط وسائل الاجتهاد، وجمع الأقوال، والاسترشاد بها في تمييز الصحيح، وإبعاد السقيم.

359