Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
ابن حنبل
حياته وعصره - آراؤهُ وفقههُ
تأليف
محمَّد أبو زهرة
أستاذ الشريعة الاسلامية بكلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول
الناشر
دار الفكر العربى
1
ابن حنبل
حياته وعصره - آراؤهُ وفقههُ
تأليف
محمَّد أبو زهرة
أستاذ الشريعة الاسلامية بكلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول
الناشر
دار الفكر العربى
1
المَطِيعَة النَموذَجِيَة ٦ الشابوري الحلمية الجديدة
2
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد فإن دروسي هذا العام بقسم الشريعة من أقسام الدراسات العليا بكلية الحقوق - موضوعها الإمام أحمد بن حنبل، إمام دار السلام، وهذا الكتاب الذي أقدمه للملأ من الأمة الإسلامية هو خلاصتها، وفيه لبابها.
ولقد اتجهت في دراسة ذلك الإمام التقي الورع إلى دراسة حياته أولاً، تتبعته منذ نشأته الأولى طفلاً ثم يافعاً، وشاباً، وكهلاً، وكلها يتجه به نحو الإمامة في السنة وبها كانت إمامته في الفقه.
ولقد عنيت في أثناء دراسة حياته ببيان المحنة التي نزلت به، وأسبابها وأدوارها وكيف أعلت منزلته، ورفعت درجته، فسارت الركبان بذكره، وصار ورعه وزهده حديث الناس في كل البلدان الإسلامية.
حتى إذا أتممت دراسة حياته، اتجهت إلى دراسة موجزة لعصره، بينت فيها المجاوبة النفسية التي كانت بينه وبين معاصريه، والآراء الدينية التي كانت سائدة بين علماء الحديث والفقهاء، والأفكار التي كانت تتورد على العقل الإسلامي، ومحاولة بعض الأمراء والخلفاء أن يسوغوا آراء لدى الفقهاء والمحدثين، ولا يكادون يسيغونها، وأن المحاولة أنتجت مقاومة، وأن المقاومة انتهت بالاستمساك الشديد بما كان عليه السلف في نظر أولئك العلماء.
ولما بلغت من ذلك البيان الغاية التي أبتغي بيانها، اتجهت إلى النتيجة التي كانت هذه مقدماتها، وهي آراؤه في أصول الدين، وقيامه بحق السنة النبوية، وفقهه. أما آراؤه في أصول الدين فقد بينتها ببعض البيان؛ لأنها تصور آراء السلفيين في عصره أصدق تصوير، وهي صدى المقاومة العلمية الأثرية للمشارات الفكرية التي أثارها الذين نظروا في الحقائق الإسلامية نظرات فلسفية.
3
وبعد بيان ذلك بينت عمله في السنة، وعكوفه طول حياته على إذاعتها بين المسلمين، وعمله المسند، وأثر المسند، وقوة أحاديثه، وغرضه من جمعه، ثم اتجهت إلى فقهه، فبينت أنه ثمرة ناضجة لدراسته السنة، وتتبعه لأقضية النبي صلى الله عليه وسلم، وأقضية الصحابة، وفتاويهم، وفتاوى الصفوة الممتازة من التابعين، وأنه كان إن لم يجد أثراً يعتمد عليه في فتواه قاس على هذه الآثار، وقارب منها ولم يباعد، حتى كان يصدر عن مشكاتها دائماً رضي الله عنه، ففقهه آثار مروية، أو شبيهة بالآثار المروية.
ولقد بينت كيف روي فقهه، وكشفت طرائق روايته، وبينت صدقها، ووثائق قبولها.
ثم بينت الأصول الفقهية التي بنى عليها، والأدوار التي مر بها ذلك المذهب الجليل، وطرائق نموه، وأساليب التخريج فيه، وضبط قواعده، وجمع فروعه، حتى صار مذهباً نامياً حياً متسعاً مرناً فيه صلاح، وفيه إصلاح.
ولولا فضل الله وتوفيقه وعونه، ما وصلنا في بحثنا إلى ما وصلنا، إنه نعم المولى ونعم النصير،
محمد أبو زهرة
صفر سنة ١٣٦٧ - ديسمبر سنة ١٩٤٧
4
تمهيـــــد
١ - قال أبو ثور في أحمد بن حنبل: «لو أن رجلاً قال إن أحمد بن حنبل من أهل الجنة ما عنف على ذلك، وذلك أنه لو قصد رجل خراسان ونواحيها لقالوا: أحمد بن حنبل رجل صالح، وكذلك لو قصد الشام ونواحيها لقالوا: أحمد بن حنبل رجل صالح، وكذلك لو قصد العراق ونواحيها لقالوا: أحمد بن حنبل رجل صالح، فهذا إجماع، ولو عنف هذا على قوله بطل الإجماع(١)».
هذا قول فقيه محدث معاصر لأحمد فيه، وهو فوق أنه يكشف عن منزلة أحمد في نفسه، يبين منزلته في نفوس كل معاصريه؛ انعقد إجماع أهل الأقطار الإسلامية المتنائية على أنه رجل صالح، وتسايرت الركبان بذكر صلاحه، وتقواه، وورعه، وقوة إيمانه، وزهده، وإذا كان الإجماع حجة فقد قامت الحجة على صلاح أحمد، ليس في ذلك من ريب، ولا مجال للشك فيه.
وفي الحق إن أحمد قد ابتلي، فأحسن البلاء، وصقلت نفسه، وفتن بالشديدة والكريهة، خرج منها كما يخرج الذهب من الكير، وقد نقي وطهر من كل فِلزّ غريب عنه، واختبر أحمد بالدنيا وزينتها فصدف عنها، وإن كانت له نفس تطلب طيبات الحياة، ولكنه قدعها عن شهواتها؛ وفطمها عن الترف وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، طلبته الملاذ فردها، وزايلها فلم يعاق به شيء من طارف الحياة، كما لا تستمسك الأدران بالأجسام المجلوة المصقولة. اختبر أحمد بالضراء والسراء فلم تخنع الضراء قلبه، ولم تفتن السراء عقله، اختبره خلفاء أربعة، خرج من الاختبار رجلاً صالحاً، وقد تنوعت طرائق الاختبار؛ اختبره المأمون بالقيد، فساقه إليه مقيداً مغلولاً يثقله الحديد مع بعد الشقة وعظم المشقة، واختبره المعتصم بالحبس والضرب، واختبره الواثق بالمنع والتضييق، فما نهنهوا من نفسه وما يعتقد، وبعد تلك البلايا
(١) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص١٢٤.
5
ابتلى بالبلاء الأكبر، فساق إليه المتوكل النعم، فردها وهو عيوف النفس، وكان يشد على بطنه من الجوع، ولا يتناول مما يشك في حله أو يتورع عنه، ثم ابتلى أحمد بعد كل هذا بأعظم بلاء ينزل بالنفس البشرية، وهو إعجاب الناس، فقد ابتلى بعد أن انتصر على كل أنواع الرزايا بإعجاب الناس، فما أورثه ذلك عجبًا ولا دله بغرور، بل كان المؤمن المحتسب المتواضع لعزة الله وجلاله، الذي لم يأخذه الثناء، وبذلك نجح في أعظم البلاء، فإن الشيطان قد يعجز عن الغواية في الشديدة والكريهة، ويعجز عن الغواية في الملاذ والمناعم، وينجح في غوايته عند الثناء يبث العجب والغرور والخيلاء، ولكن أحمد سد كل منافذ الشيطان، حتى هذا السبيل، فما استولى عليه حب المحمدة وجره إلى مهاوي الغرور، بل كان ينفر من الثناء، ويفر منه عالمًا بأنه أشد بلاء. وكان رحمه الله يقول: ((لو وجدت السبيل لخرجت، حتى لا يكون لي ذكر))، ويقول: ((أريد أن أكون في بعض الشعاب بمكة، حتى لا أعرف: قد بليت بالشهرة، إني لأتمنى الموت، صباح مساء)).
٢ - كان أحمد رجلًا صالحًا ، تلك هي الكلمة الصادقة التي رددتها الأقطار الإسلامية، وأحمد حي، ثم سجلها التاريخ بعد ذلك للأجيال، وهي التي توارثها الناس من بعده مكشوفة غير مستورة، وهي المفتاح الذي يكشف صورة أحمد، فهو المحدث، لأنه الرجل الصالح، وهو الفقيه الذي غلب وصفه بالصلاح وصفه بالفقه، بل إن صلاحه كان يمنعه من السير في فقهه إلى أقصى مداه، فكان يتوقف حيث يسير غيره، ويتردد حيث يجزم سواه، يحمجم بالمعنى حيث ينطق غيره، ويسكت عن الفتيا حيث يسارع سواه.
ولذلك طغت على فقهه نزعته إلى التحديث، ووقوفه عند الأثر، حتى لقد حسبه بعض العلماء السابقين محدثًا، وليس فقيهًا، فنرى ابن جرير الطبري لم يذكر مذهبه في اختلاف الفقهاء، وكان يقول عنه إنه رجل حديث، لا رجل فقه، وامتحن لذلك، ولم يذكره بعض الفقهاء الذين كانوا يدرسون الخلافيات،
(١) ترجمة الإمام من تاريخ الإسلام، الحافظ الذهبي، طبع المعارف، في مقدمة المسند ص ٧٤
6
كالطحاوي، والدبوسي، والنسفي، والأصيلي المالكي، والغزالي، في الفقهاء الذين يعتد بخلافهم، ولم يذكره ابن قتيبة في كتابه المعارف في ضمن الفقهاء، وذكره المقدسي في أحسن التقاسيم في أصحاب الحديث.
وقال القاضي عياض في المدارك: «إنه دون الإمامة في الفقه، وجودة النظر في مأخذه». (١)
ولقد زكى نظر هؤلاء المنكرين على أحمد أن يكون فقيها أنه لم يؤثر عنه كتاب في الفقه، وأثر عنه المسند، وذلك في عصر قد سار فيه التدوين في الفقه شوطا بعيدا، فمحمد بن الحسن قد جمع فقه العراق، وأبو يوسف كتب كتبا في الفقه، والشافعي أملى مذهبه أو كتبه، وأحمد لم يكن له شيء من ذلك بإجماع المؤرخين، فكان ذلك دليلا على أنه محدث، وليس بفقيه، أو على الأقل على غلبة حديثه على فقهه، ولا شك أن من المحدثين من له رأي في مسائل في الفقه، فالبخاري له فقه؛ ومسلم كذلك، وليس ذلك بمخرجهم من جماعة المحدثين إلى جماعة الفقهاء، إذ العبرة بغلبة المنهاج، فمن غلب عليه التحديث تخصص فيه، وكان محدثا، ومن كثر إفتاؤه، وغلبت عليه الفتيا كان فقيها، ولم نجد من التقى فيه الأمران بقدر متقارب، كما وجدنا ذلك في مالك رضي الله عنه؛ فهو في ذلك نسيج وحده.
٣ - ونحن مع هذا الاعتبار نرى أن أحمد بن حنبل فقيه مع كونه محدثا؛ وإن كنا نقر بأن نزعة المحدث فيه أوضح، ونقر بأنه لم يترك أثرا مدونا له في الفقه، وترك ذلك المسند العظيم في الحديث؛ والذي صار من بعده إماما كما توقع هو له، ذلك أن الإمام أحمد قد عنى تلاميذه بجمع أقواله، وفتاويه وآرائه؛ وتكونت بذلك مجموعة فقهية منسوبة إليه، تخالفت فيها الرواية عنه أحيانا؛ واتفقت في كثير من الأحيان، وما كان لنا أن نترك تلك المجموعة التي تلقاها العلماء بالقبول لمجرد أنه اشتهر بالحديث، وأنه لم يدون كتابا في الفقه، مع غلبة التدوين في عصره، وله فيمن دونوا أسوة حسنة.
(١) تاريخ الفقه للحجوي جـ٢ ص ٢٢
7
ولقد نظر ذلك النظر ابن القيم ، فقد قال في أعلام الموقعين: وعلل ترك أحمد تدوين كتاب في الفقه بأنه كان شديد الكراهة لتصنيف الكتب في غير الحديث، ولكن الله علم حسن نيته، فجعل تلاميذه يعنون بتدوين كلامه وفتاويه؛ وقال ابن القيم في ذلك: ((جمع الخلال نصوصه في الجامع الكبير فبلغ نحو عشرين سفرا أو أكثر، ورويت فتاويه ومسائله، وحدث الناس بها قرنا بعد قرن، فصارت إماما وقدوة لأهل السنة، على اختلاف طبقاتهم، حتى إن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلدين لغيره، ليعظمون نصوصه وفتاواه، ويعرفون حقها وقربها من النصوص، وفتاوى الصحابة. ومن تأمل فتاواه وفتاوى الصحابة، رأى مطابقة كل منهما على الأخرى، ورأى الجميع كأنها تخرج من مشكاة واحدة))(١).
٤ - وإذا كان أحمد رضي الله عنه ، لم يكتب في الفقه كتابا، بل كان ينهى عن ذلك، وينهى أصحابه عن القراءة في كتب الفقه المدونة خشية أن يستغنوا بها عن الحديث - فإن المعول في نقل فقهه كان على رواية أصحابه عنه، وقد نقلوا الفتاوى والنصوص في كتب مبسوطة بلغ بعضها نحوًا من ثلاثين سفرا. وقد اختلف النقل، لأنه مادامت الرواية أساس النقل، ولم يتول الإمام بنفسه كتابة فقهه، فلا بد أن يختلف الناقلون، وأن تختلف النقول، وأن يكون الترجيح.
ولقد وجدنا كتاب الطبقات يتكلمون في نقل بعض الأصحاب، فوجدنا ابن الفراء في طبقاته ينقل عن أبي بكر المروزي، والأثرم ومسدد، وحرب وغيرهم، وقد رووا الكثير من الفقه الحنبلي: ونسبوه إلى ذلك الإمام الجليل ويوثقهم، ثم وجدنا مع هذا بعض كتاب الأثر يقول، ((رجلان صالحان بليا بأصحاب سوء جعفر بن محمد، وأحمد بن حنبل)) أما جعفر بن محمد فهو جعفر الصادق بن محمد الباقر من أئمة الشيعة، وقد نسبت إليه أقوال كثيرة دونت في فقه الإمامية، وأما أحمد فقد نسب إليه بعض الحنابلة آراء في العقائد وإن هذا بلا شك يثير بعض الريب في مقدار نسبة الفقه الحنبلي إلى أحمد، أو على الأقل في بعض هذا الفقه، لأنه إذا جرى الشك في صدق الراوي كان ذلك طعنا في صحة المروى.
(١) إعلام الموقعين جـ ١ ص ٢٢
8
٥- هذه مثارات تثار حول نسبة الفقه الحنبلي إلى الإمام أحمد، ولو أن مسلكنا في دراسة المذاهب أن ندرسها دراسة موضوعية، بأن ندرس المجموعة الفقهية التي تكون المذهب الحنبلي باعتبارها مجموعة فقهية متحدة المنهاج والنهاية، وحدّتها الفكرة والاتجاه، وإن لم توحدها النسبة - لاكتفينا بدراسة تلك المجموعة من غير بحث في نسبتها، ولكنا ندرس الإمام وفقهه، فحق علينا أن ندرس مقدار نسبة هذه المجموعة الفقهية إليه، وما يثار حولها من ظنون أو شك ندرسه، فإما أثبتناها أو نفيناها، وإما بينا مقدار قوته ومداه.
لذلك كان لا بد لنا من دراسة هذه الأمور المثيرة للريب؛ غير أنا نبادر، فنقرر أن مسلكنا في دراسة الأمور المقررة التي تلقاها العلماء في العصور المختلفة بالقبول هو أن نقبلها، حتى يقوم الدليل على بطلان نسبتها؛ ذلك لأن تلقى العلماء بالقبول لأمر من الأمور يجعل الظاهر يشهد له بالصدق، وصحة النسبة؛ إذ أن الأصحاب هم الذين نقلوا، والطبقة التي وليتهم هي التي تلقت كلامهم بالقبول، ثم الذين جاءوا من بعدهم صادقوا على ذلك النقل، فكان هذا التضافر مع قرب العصر شهادة لا ترد، حتى يقوم الدليل الناقض لبنيانها، المقوض لأركانها، إذ الظاهر شاهد بالصدق، ولا يرد الظاهر إلا إذا ثبت بالبرهان نقيضه، ولو أن كل ريب يبطل المقررات التي تلقاها العلماء بالقبول، ما نقل تاريخ، وما استفاد الناس من علم الأولين، وما صحت نسبة، وما قيل قول عن قائل، من أجل هذا نقبل فقه ابن حنبل على أن نسبته من المقررات، وندرس ما يثار حول هذه النسبة، فلا نقبل من هذه المثارات إلا ما يثبت بالبرهان بطلان نسبة فتوى أو قول، فلسنا نرد نسبة المذهب جملة لشك، ولا نهمل ما يقال، بل ندرس ونقابل ونقايس، ونعطي كل أمر حقه من الدراسة ومما ينتهي إليه.
ولا نقف محاجزين بين المقدمة وما تنتجه، ولا بين الدليل وما يؤدي إليه، فإن ذلك ليس من العلم في شيء.
٦ - وإننا إذ نتجه إلى دراسة الفقه الحنبلي بعد تحقيق نسبته، أو بالأحرى
9