At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid
التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
وَالجَوَابُ:
١) أَنَّ إِثْبَاتَ الحَيَاةِ لِلأَنْبِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ وَلِلنَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ عَلَى تِلْكَ الصُّوْرَةِ الَّتِيْ يُوْهِمُهَا أَهْلُ البِدَعِ، فَكَوْنُ النَّبِيِّ ﷺ حَيٌّ فِي قَبْرِهِ - كَمَا أَنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ فِي قُبُوْرِهِم - لَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ لَهُم اتِّصَالًا بِالدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُوْنَ﴾ (البَقَرَة:١٥٤)، وَكَمَا قَالَ أَيْضًا ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِم﴾ (آلِ عِمْرَان:١٦٩)، فَصِفَةُ الحَيَاةِ لَهُم هِيَ فِي البَرْزَخِ وَلَيْسَتْ فِي الدُّنْيَا.
وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُوْنَ﴾ (الزُّمَر:٣٠)،
وَأَيْضًا حَدِيْثَ (وَلَيُذَادَنَّ بِأَقْوَامٍ مِنْ أُمَّتِي عَنِ الحَوْضِ فَأَقُوْلُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي. فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) وَفِي حَدِيْثِ قَبْضِ الرُّوْحِ أَنَّ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِيْنَ تَسْأَلُ الرُّوْحَ المَقْبُوْضَةَ حَدِيْثًا عَنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَأَحْوَالِهِم مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم مَعْزُوْلُوْنَ عَنْهُم تَمَامًا إِلَّا مِنْ جِهَةِ مَا يُخْبَرُوْنَ بِهِ عَنْهُم. (٢)
وَنَقُوْلُ - مِنْ بَابِ الإِفْحَامِ - لِمَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ الآنَ مَيِّتٌ: كَمْ عُمُرُهُ الآنَ ﵊؟؟؟ وَفِي الجَوَابِ مَقْنَعٌ لِمُرِيْدِ الهِدَايَةِ، وَالحَمْدُ للهِ.
٢) أَنَّ المَقْصُوْدَ مِنْ حَيَاةِ الشُّهَدَاءِ هُوَ تَنَعُّمُهُم فِي البَرْزَخ وَلَيْسَ أَنَّهُم مَا زَالَوا أَحْيَاءَ فِي الدُّنْيَا، وَإِلَّا فَكَيْفَ يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْهُم أَنَّهُم قُتِلُوا أَصْلًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِيْنَ قُتِلُوا فِي سَبِيْلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُوْنَ﴾ (آلِ عِمْرَان:١٦٩).
قَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيْرِ (٣): (﴿وَلَا تَقُوْلُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيْلِ اللهِ أَمْوَاتٌ﴾ نَزَلَتْ فِي قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ المُسْلِمِيْنَ وَكَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سِتَّةٌ مِنَ المُهَاجِرِيْنَ وَثَمَانِيَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ؛ كَانَ النَّاسُ يَقُوْلُوْنَ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيْلِ اللهِ: مَاتَ فُلَانٌ، وَذَهَبَ عَنْهُ نَعِيْمُ الدُّنْيَا وَلَذَّتُهَا! فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تَقُوْلُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيْلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُوْنَ﴾ كَمَا قَالَ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِيْنَ قُتِلُوا فِي سَبِيْلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُوْنَ﴾ (آلِ عِمْرَان:١٦٩)، قَالَ الحَسَنُ: إِنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى؛ تُعْرَضُ أَرْزَاقُهُمْ عَلَى أَرْوَاحِهِمْ فَيَصِلُ إِلَيْهِمُ الرَّوْحُ وَالفَرَحُ؛ كَمَا تُعْرَضُ النَّارُ عَلَى أَرْوَاحِ آلِ فِرْعَوْنَ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً فَيَصِلُ إِلَيْهِمُ الوَجَعُ). (٤)
٣) كَوْنُهُم أَحْيَاءً فِي قُبُوْرِهِم لَا يَعْنِي سَمَاعَهُم لِمَنْ يَسْتَغِيْثُ بِهِم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى﴾ (النَّمْل:٨٠). (٥)
٤) أَنَّ الاسْتِغَاثَةَ وَالتَّعَلُّقَ بِهِم فِي تَفْرِيْجِ الكُرُبَاتِ شِرْكٌ، بَلْ أَصْلُ شِرْكِ العَالَمِيْنَ هُوَ التَّعَلُّقُ بِالصَّالِحِيْنَ وَجَعْلُهُم وَسَائِطَ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُوْنِ اللهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيْبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُوْنَ﴾ (الأَحْقَاف:٥).
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٥٧٦)، وَمُسْلِمٌ (٢٢٩٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوْعًا.
(٢) وَالحَدِيْثُ بِتَمَامِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنُ؛ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ؛ فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إِلَى رَوْحِ اللَّهِ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ، حَتَّى أَنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ السَّمَاءِ فَيَقُولُونَ: مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدَمُ عَلَيْهِ، فَيَسْأَلُونَهُ: مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا، فَإِذَا قَالَ: أَمَا أَتَاكُمْ؟ قَالُوا: ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ بِمِسْحٍ فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي سَاخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ ﷿، فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ الْأَرْضِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ). صَحِيْحٌ. النَّسَائِيُّ (١٨٣٣). الصَّحِيْحَةُ (١٣٠٩).
(٣) تَفْسِيْرُ البَغَوِيِّ (١٦٨/ ١).
(٤) وَمِنْ لَطَائِفِ مَا يُذْكَرُ مِنَ القَصَصِ هُنَا مَا حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا - يُنْسَبُ إِلَى عِلْمٍ! - قَالَ لِرَجُلٍ عَامِّيٍّ: أَنْتُم مَا لِلأَوْلِيَاءِ - عِنْدَكُم - قَدْرٌ! وَاللهُ تَعَالَى يَقُوْلُ فِي الشُّهَدَاءِ: إِنَّهُم أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِم يُرْزَقُوْنَ! قَالَ لَهُ العَامِّيُّ: هَلْ قَالَ: يَرْزُقُوْنَ؟ - يَعْنِي بِفَتْحِ اليَاءِ - أَوْ قَالَ يُرْزَقُوْنَ؟ - يَعْنِي بِالضَّمِّ -؛ فَإِنْ كَانَ بِالفَتْحِ فَأَنَا أَطْلُبُ مِنْهُم، وَإِنْ كَانَ بِالضَّمِّ فَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الَّذِيْ يَرْزُقُهُم. فَأُفْحِمَ الأَوَّلُ وَسَكَتَ.
(٥) وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ عَدَمِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ فِي مُلْحَقِ (مُخْتَصَرُ الآيَاتِ البَيِّنَاتِ فِي عَدَمِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ) مِنْ هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ إِنْ شَاءَ اللهُ.
1 / 576