577

At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

٥) أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بَلْ وَرَدَ عَنْهُم النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ. فَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ ﵁؛ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجِيْءُ إِلَى فُرْجَةٍ كَانَتْ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَيَدْخُلُ فِيْهَا فَيَدْعُو، فَنَهَاهُ، فَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ قَالَ: (لا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيْدًا، وَلَا بُيُوْتَكُمْ قُبُوْرًا، فَإِنَّ تَسْلِيْمَكُمْ يَبْلُغُنِي أَيْنَمَا كُنْتُمْ). (١)
٦) أَمَّا بِخُصُوْصِ دُعَاءِ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ لَفْظِ الخِطَابِ أَنْ يَكُوْنَ ﷺ سَامِعًا لِمَنْ خَاطَبَهُ أَصْلًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُوْنَ حَاضِرًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُوْنَ قَادِرًا عَلَى المَطْلُوْبِ لِكُلِّ مَا يُطْلَبُ مِنْهُ. (٢)
بَلْ قَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيُّ ﷺ الفَرْقَ بَيْنَ حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ فِي نَفْسِ هَذَا التَّشَهُّدِ، وَقَد أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الحَقِيْقَةِ الصَّحَابيُّ الجَلِيْلُ ابْنُ مَسْعُوْدٍ ﵁ فِي قَوْلِهِ (عَلَّمَنِي رَسُوْلُ اللهِ ﷺ وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ - التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ: (التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ؛ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ؛ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ؛ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ) - وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا -، فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا: السَّلَامُ - يَعْنِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣) (٤)، وَكَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ شَأْنُهُ أَيْضًا: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُوْنَ﴾ (المُؤْمِنُوْن:١٠٠).

(١) صَحِيْحٌ لِغَيْرِهِ. الضِّيَاءُ المَقْدِسِيُّ فِي المُخْتَارَةِ (٤٩/ ٢). قَالَ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (تَخْرِيْجُ أَحَادِيْثِ فَضَائِلِ الشَّامِ) (ص٥٢): (صَحِيْحٌ بِطُرُقِهِ وشَوَاهِدِهِ).
(٢) فَلَفْظَ الخِطَابِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَبَدًا أَنْ يَكُوْنَ المُخَاطَبُ سَامِعًا لِلنِّدَاءِ، بَلْ إِنَّ الجَمَادَاتِ قَدْ تُنَادَى، كَمَا فِي مُخَاطَبَةِ عُمَرَ ﵁ لِلحَجَرِ الأَسْوَدِ فِي قَوْلِهِ (إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٥٩٧).
وَمِثْلُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَمَا هَاجَرَ فَخَاطَبَ مَكَّةَ قَائِلًا (وَاللهِ؛ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ). صَحِيْحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٩٢٥) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الحَمْرَاءِ مَرْفُوْعًا. صَحِيْحُ الجَامِعِ (٧٠٨٩).
وَكَمُخَاطَبَةِ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِم: (السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ) وَهُم فِي جَمِيْعِ المَسَاجِدِ؛ وَلَمْ يَكُنْ يَسْمَعُهُم وَيَرُدُّ ﵈ وَرَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ كَمَا لَا يَخْفَى -؛ وَلَكِنَّهَا عِبَادَةٌ يُتعَبَّدُ اللهُ تَعَالَى بِهَا - أَيْ: دُعَاءُ دُخُوْلِ المَقَابِرِ، وَالتَّشَهُّدُ -.
وِمِثْلُهُ حَدِيْثُ (مَنْ رَأَى مُبْتَلى، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِيْ عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيْرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيْلًا؛ لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ البَلَاءُ). صَحِيْحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٤٣٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوْعًا. الصَّحِيْحَةُ (٦٠٢).
قَالَ المُنَاوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَيْضُ القَدِيْرِ) (١٣٠/ ٦): (قَالَ العُلَمَاءُ: يَنْبَغِي أَنْ يَقُوْلَ هَذَا الذِّكْرَ سِرًّا بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَلَا يُسْمِعْهُ المُبْتَلَى؛ إِلَّا أَنْ تَكُوْنَ بَلِيَّتُهُ مَعْصِيَةً فَيُسْمِعُهُ - إِنْ لَمْ يَخَفْ مَفْسَدَةً -).
(٣) البُخَارِيُّ (٦٢٦٥).
(٤) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (٣١٤/ ٢): (كَذَا وَقَعَ فِي البُخَارِيِّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيْحِهِ وَالسَّرَّاجُ وَالجَوْزَقِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ إِلَى أَبِي نُعَيْمٍ - شَيْخِ البُخَارِيِّ - فِيْهِ بِلَفْظِ (فَلَمَّا قُبِضَ؛ قُلْنَا السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ) بِحَذْفِ لَفْظِ (يَعْنِي) وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ.
قَالَ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ المِنْهَاجِ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مِنْ عِنْدِ أَبِي عَوَانَةَ وَحْدَهُ -: (إِنْ صَحَّ هَذَا عَنِ الصَّحَابَةِ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ الخِطَابَ فِي السَّلَامِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ وَاجِبٍ؛ فَيُقَالُ: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ). قُلْتُ: قَدْ صَحَّ بِلَا رَيْبٍ، وَقَدْ وَجَدْتُ لَهُ مُتَابِعًا قَوِيًّا، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ؛ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: (أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَقُوْلُوْنَ - وَالنَّبِيُّ ﷺ حَيٌّ - السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، فَلَمَّا مَاتَ قَالُوا: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ) وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ. وَأَمَّا مَا رَوَى سَعِيْدُ بْنُ مَنْصُوْرٍ مِنْ طَرِيْقِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ عَنْ أَبِيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُمُ التَّشَهُّد؛ فَذَكَرَهُ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (إِنَّمَا كُنَّا نَقُوْلُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ - إِذْ كَانَ حَيًّا! -) فَقَالَ ابْنُ مَسْعُوْدٍ: (هَكَذَا عُلِّمْنَا! وَهَكَذَا نُعَلِّمُ)، فَظَاهِرٌ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَه بَحْثًا وَأَنَّ ابْنَ مَسْعُوْدٍ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ، لَكِنَّ رِوَايَةَ أَبِي مَعْمَرٍ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ؛ وَالإِسْنَادُ إِلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ ضَعِيْفٌ).

1 / 577