521

At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

- قَوْلُهُ (وَلَا تَغُلُّوا): الغُلُوْلُ: أَنْ يَكْتُمَ المُجَاهِدُ شَيْئًا مِنَ الغَنِيْمَةِ فَيَخْتَصَّ بِهِ، وَهُوَ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوْبِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ (آل عِمْرَان:١٦١) أَيْ: مُعَذَّبًا بِهِ.
- قَوْلُهُ (وَلَا تَغْدِرُوا): وَهَذَا إِذَا عَاهَدْنَا، أَمَّا الغَدْرُ بِلَا عَهْدٍ فَجَائِزُ؛ لِأَنَّ (الحَرْبَ خَدْعَةٌ) كَمَا فِي الصَّحِيْحَيْنِ. (١)
- قَوْلُهُ (وَلَا تُمَثِّلُوا): التَّمْثِيْلُ هُوَ التَّشْوِيْهُ بِقَطْعِ بَعْضِ الأَعْضَاءِ، وَلَا يَجُوْزُ إِلَّا إِنْ مَثَّلَ المُشْرِكُوْنَ بِالمُسْلِمِيْنَ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ حَدِيْثُ العُرَنِيِّيْنَ. (٢)
وَهَذَا يَكُوْنُ مِنْ بَابِ المُعَاقَبَةِ بِالمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ وَالحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِيْنَ﴾ (البَقَرَة:١٩٤).
- قَوْلُهُ (ثُمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ): أَكْثَرُ نُسَخِ مُسْلِمٍ عَلَى إِثْبَاتِ (ثُمَّ)؛ وَالصَّوَابُ إِسْقَاطُهَا كَمَا فِي غَيْرِهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ، وَلِأَنَّ الدَّعْوَةَ هِيَ إِحْدَى الخِصَالِ الثَّلَاثِ. (٣)
- قَوْلُهُ (إِلى دَارِ المُهَاجِرِيْنَ): المُرَادُ بِهِ تَحَوُّلُ أَهْلِ البَوَادِي الَّذِيْنَ أَسْلَمُوا إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ، وَفِي ذَلِكَ الوَقْتِ كَانَتِ الدَّارُ هِيَ المَدِيْنَةُ النَّبَوِيَّةُ.
- قَوْلُهُ (فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِيْنَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِيْنَ): فَلَهُمْ مَا لِلمُهَاجِرِيْنَ مِنَ الغَنِيْمَةِ وَالفَيْءِ، وَعَلَيْهِم مَا عَلَيْهِم مِنَ الجِهَادِ وَالنُّصْرَةِ.

(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٠٣٠)، وَمُسْلِمٌ (١٧٣٩) عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوْعًا.
(٢) وَلَفْظُهُ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ المَدِيْنَةَ، فَاجْتَوَوْهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: (إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ؛ فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا)، فَفَعَلُوا، فَصَحُّوا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرِّعَاءِ، فَقَتَلُوهُمْ وَارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ، وَسَاقُوا ذَوْدَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَبَعَثَ فِي أَثَرِهِمْ فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ، وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ فِي الحَرَّةِ، حَتَّى مَاتُوا). رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٣٣)، وَمُسْلِمٌ (١٦٧١).
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ أَنَسُ: (إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْيُنَ أُولَئِكَ، لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ).
وَ(عُرَيْنَةُ): حَيٌّ مِنْ بُجَيْلَةَ مِنْ قَحْطَانَ.
وَ(فَاجْتَوَوْهَا): مَعْنَاهُ اسْتَوْخَمُوْهَا؛ وَلَمْ تُوَافِقْهُم لِسَقَمٍ أَصَابَهُم.
وَ(سَمَلَ أَعْيُنَهُم): فَقَأَهَا.
(٣) قَالَهُ القُرْطُبِيُّ ﵀ في كِتَابِهِ (المُفْهِمِ بِشَرْحِ مُسْلِمٍ) (٥١٣/ ٣).

1 / 521