520

At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

الشَّرْحُ
- العَهْدُ هُنَا هُوَ إِبْرَامُ العَقْدِ مَعَ اليَمِيْنِ، وَالمُسْلِمُ مَأْمُوْرٌ بِعَدَمِ نَقْضِهِ.
- وَجْهُ مُنَاسَبَةِ البَابِ لِكِتَابِ التَّوْحِيْدِ هُوَ مِنْ جِهَتَيْنِ:
١) أَنَّ نَقْضَ العَهْدِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَعْظِيْمِ مَنْ جُعِلَ العَهْدُ مَنُوْطًا بِهِ، فَكَمَا أَنَّ كَثْرَةَ الحَلِفِ تَدُلُّ عَلَى عَدِمِ التَّعْظِيْمِ، فَكَذَلِكَ نَقْضُ مَنْ جُعِلَ عَهْدُهُ بِاللهِ يَدُلُّ عَلَى عَدِمِ التَّعْظِيْمِ، فَهُوَ مُشَابِهٌ لِلبَابِ المَاضِي مِنْ هَذِهِ الجِهَةِ.
وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ تَعَالَى فِيْهَا ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيْلًا﴾ لِأَنَّ مَنْ أَعْطَى اليَمِيْنَ بِاللهِ؛ فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أكَّدَ وَفَاءَهُ بِهَذَا الشَّيْءِ الَّذِيْ تَكَلَّمَ بِهِ، فَكَانَ لِهُ بِمَثَابَةِ الكَفِيْلِ، فَنَقْضُهُ لِلعَهْدِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِهَانَتِهِ بِهِ.
٢) أَنَّ نَقْضَ العَهْدِ هُوَ مِنْ خِصَالِ المُنَافِقِ، كَمَا فِي الحَدِيْثِ (وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ). (١)
- الذِّمَّةُ: هِيَ العَهْدُ؛ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُلْتَزَمُ بِهِ كَمَا يَلْتَزِمُ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِدَيْنِهِ فِي ذِمَّتِهِ، وَأُضِيْفَ العَهْدُ هُنَا إِلَى اللهِ لِتَشْرِيْفِهِ.
- السَّرِيَّةُ: هِيَ الخَيْلُ تَبْلُغُ أَرْبَعمَائَةٍ وَنَحْوَهَا، وَسُمِّيَتْ سَرِيَّةً لِأَنَّهَا تَسْرِي بِالليْلِ. (٢)
- قَوْلُهُ (أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِيْنَ خَيْرًا): فِيْهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ تَوَلَّى أَمْرًا مِنْ أُمُوْرِ المُسْلِمِيْنَ أَنْ يَسْلُكَ بِهِم الأَخْيَرَ، بِخِلَافِ عَمَلِ الإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ.
- قَوْلُهُ (اُغْزُوَا بِسْمِ اللهِ، فِي سَبِيْلِ اللهِ): أَي اشْرَعُوا فِي فِعْلِ الغَزْوِ مُسْتَعِيْنِيْنَ بِاللهِ مُخْلِصِيْنَ لَهُ، فَالبَاءُ فِي (بِسْمِ اللهِ) هُنَا لِلاسْتِعَانَةِ.
- قَوْلُهُ (قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ): هَذَا العُمُوْمُ يَشْمَلُ جَمِيْعَ أَهْلِ الكُفْرِ المُحَارِبِيْنَ عَدَا مَنْ لَهُ عَهْدٌ، وَأَيْضًا الرُّهْبَانَ وَالنِّسْوَانَ، وَمَنْ لَمْ يَبْلُغِ الحُلْمَ، وَالشُّيُوْخَ؛ إِلَّا مَنْ كَانَ لَهُ مِنْهُم رَأْيٌ وَتَدْبِيْرٌ. (٣)

(١) البُخَارِيُّ (٣٤)، وَمُسْلِمٌ (٥٨) مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ عَمْرو مَرْفُوْعًا.
(٢) قَالَ الثَّعَالِبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فِقْهُ اللُّغَةِ) (ص١٥٦): (أَقلُّ العَسَاكِرِ الجَرِيْدَةُ - وهي قِطْعَة جُرِّدَتْ مِنْ سَائِرِهَا لِوَجْهٍ -، ثُمَّ السَّرِيَّةُ وَهِيَ مِنْ خَمْسِيْنَ إِلَى أَرْبَعْمائةٍ، ثُمَّ الكَتِيْبَةُ وهِيَ مِن أرْبَعِمَائَةٍ إِلَى الأَلْفِ، ثُمَّ الجَيْشُ وهُوَ مِنْ ألْفٍ إِلَى أرْبَعَةِ آلَافٍ، وَكَذَلِكَ الفَيْلَقُ والجَحْفَلُ، ثُمَّ الخَمِيْسُ وهوَ مِنْ أرْبَعَةِ آلَاَفٍ إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، والعَسْكَرُ يَجمَعُهَا).
(٣) وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ وُجُوْبُ قِتَالِ الكُفَّارِ؛ وَأَنَّ عِلَّةَ قِتَالِهِم الكُفْرُ، وَلَيْسَ المَعْنَى أَنَّهُ لَا يُقَاتَلُ إِلَّا مَنْ كَفَرَ! بَلِ الكُفْرُ سَبَبٌ لِلقِتَالِ، وَمَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ أَيْضًا يُقَاتَلُ، وَإِذَا تَرَكَ أَهْلُ بَلَدٍ شَعَائِرَ الإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ كَصَلَاةِ العِيْدِ مَثَلًا قُوْتِلُوا، وَكَذَا مَنْ تَرَكَ الأَذَانَ وَالإِقَامَةَ - مَعَ أَنَّهُم لَا يَكْفُرُوْنَ بِذَلِكَ -، وَأَيْضًا إِذَا اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ؛ وَأَبَتْ إِحْدَاهُمَا أَنْ تَفِيْءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ قُوْتِلَتْ، فَالقِتَالُ لَهُ أَسْبَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ غَيْرُ الكُفْرِ.

1 / 520