At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid
التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
المُلْحَقُ الحَادِي عَشَرَ) مَسَائِلُ فِي أَحْكَامِ الصُّوَرِ وَالتَصْوِيْرِ
- المَسْأَلَةُ الأُوْلَى) مَا أَوْجُهُ النَّهْي عَنِ التَصْوِيْرِ؟
الجَوَابُ:
١) مُضَاهَاةُ خَلْقِ اللهِ؛ حَيْثُ جَعَلَ المُصَوِّرُ نَفْسَهُ نِدًّا للهِ تَعَالَى فِي الخَلْقِ وَالتَصْوِيْرِ، وَاللهُ تَعَالَى مِنْ أَسْمَائِهِ المُصَوِّرُ، وَفي الحَدِيْثِ (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي). (١)
٢) أَنَّ التَّصْوِيْرَ هُوَ مِنْ ذَرَائِعِ الشِّرْكِ، كَمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ؛ قَالَ: (قَالَ لِي عَلِيٌّ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ؟ أَلَّا تَدَعَ صُوْرَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا؛ إِلَّا سَوَّيْتَهُ). (٢) (٣)
وَتَأَمَّلْ أَكْثَرَ شِرْكِ الأُمَمِ تَجِدُهُ كَانَ بِتَصْوِيْرِ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُوْنِ اللهِ تَعَالَى، فَقَوْمُ نُوْحٍ ﵊ نَصَبُوا أَنْصَابًا ثُمَّ عَبَدُوْهَا (٤)،
وَقَوْمُ إِبْرَاهِيْمَ ﵊ عَبَدُوا مَا نَحَتُوا (٥)،
وَقَوْمُ مُوْسَى ﵊ أَخْرَجَ لَهُمُ السَّامِرِيُّ عِجْلًا جَسَدًا (٦)،
وَقَوْمُ عِيْسَى ﵊ صَوَّرُوا الصَّالِحِيْنَ فِي مَسَاجِدِهِم. (٧) (٨)
وَمُشْرِكُو قُرَيْشٍ جَعَلُوا أَصْنَامَهُم كَذَلِكَ، كَمَا قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيْرِ (٩): (وَقَوْلُهُ ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُوْنَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُوْنَ﴾ (الأَعْرَاف:١٩٨): إِنَّمَا قَالَ: ﴿يَنْظُرُوْنَ إِلَيْكَ﴾ أَيْ: يُقَابِلُوْنَكَ بِعُيُوْنٍ مُصُوْرَة كَأَنَّهَا نَاظِرَةٌ - وَهِيَ جَمَادٌ -، وَلِهَذَا عَامَلَهُم مُعَامَلَةَ مَنْ يَعْقِلُ؛ لِأَنَّهَا عَلَى صُوَرٍ مُصُوْرَةٍ كَالإِنْسَانِ، فَقَالَ: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُوْنَ إِلَيْكَ﴾ فَعبَّرَ عَنْهَا بِضَمِيْرِ مَنْ يَعْقِلُ).
(١) البُخَارِيُّ (٥٩٥٣)، وَمُسْلِمٌ (٢١١١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(٢) مُسْلِمٌ (٩٦٩).
(٣) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (٣٨٢/ ١٠): (وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيْحَيْنِ حَدِيْثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الكَنِيْسَةِ الَّتِيْ كَانَتْ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ وَمَا فِيْهَا مِنَ التَّصَاوِيْرِ؛ وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ: (كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيْهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيْهِ تِلْكَ الصُّوَرَ. أُوْلَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ) فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي ذَلِكَ الشَّرْعِ مَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ ﷺ أَنَّ الَّذِيْ فَعَلَهُ شَرُّ الخَلْقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ صُوَرِ الحَيَوَانِ فِعْلٌ مُحْدَثٌ أَحْدَثَهُ عُبَّادُ الصُّوَرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
(٤) كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٤٩٢٠) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوْثَ وَيَعُوْقَ وَنَسْرًا، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيْرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِيْنَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ (نُوْح:٢٤). قَالَ: (هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِيْنَ مِنْ قَوْمٍ نُوْحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِم أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِيْ كَانُوا يَجْلِسُوْنَ فِيْهَا أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا وَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ، وَنُسِيَ العِلْمُ عُبِدَتْ).
(٥) كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّوْنَ، قَالَ أَتَعْبُدُوْنَ مَا تَنْحِتُوْنَ، وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُوْنَ) (الصَّافَّات:٩٦).
(٦) كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوْسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيْهِمْ سَبِيْلًا اتَّخَذُوْهُ وَكَانُوا ظَالِمِيْنَ﴾ (الأَعْرَاف:١٤٨).
(٧) كَمَا فِي الحَدِيْثِ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ﵄ ذَكَرَتْ لِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ كَنِيْسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، وَمَا فِيْهَا مِنْ الصُّوَرِ، فَقَالَ: (أُوْلَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيْهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوِ العَبْدُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيْهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُوْلَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ). البُخَارِيُّ (٤٣٤).
(٨) قُلْتُ: وَكَثيرٌ مِنْ مُتَصَوِّفَةِ زَمَنِنَا صَوَّرُوا مَشَائِخَهُم بِـ (الكَامِيْرَا) لِيَسْتَحْضِرُوا صُوَرَهُمْ فِي الذِّكْرِ المُسَمَّى بِـ (الرَّابِطَةِ الشَّرِيْفَةِ)؛ فَكَانُوا أَبْعَدَ مَا يَكُوْنُ عَنْ قَوْلِهِ ﵊ فِي مَقَامِ الإِحْسَانِ (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٨) عَنْ عُمَرَ ﵁.
(٩) (٥٣٠/ ٣).
1 / 492