493

At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

٣) تَشَبُّهٌ بِالمُشْرِكِيْنَ، كَمَا فِي الحَدِيْثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي ذِكْرِ تَصْوِيْرِ اليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى لِصُوَرِ الصَّالِحِيْنَ فِي كَنَائِسِهِم - وَقَدْ سَبَقَ -. (١) (٢)
٤) أَنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيْهِ تَصَاوِيْرُ، كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ أَبي طَلْحَةَ مَرْفُوْعًا (إِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيْهِ صُوْرَةٌ). (٣) (٤)

(١) البُخَارِيُّ (٤٣٤)، وَمُسْلِمٌ (٥٢٨).
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (٣٩٢/ ١٠): (وَقَالَ القُرْطُبِيُّ فِي المُفْهِمِ: إِنَّمَا لَمْ تَدْخُلِ المَلَائِكَةُ البَيْتَ الَّذِيْ فِيْهِ الصُوْرَةُ لِأَنَّ مُتَّخِذَهَا قَدْ تَشَبَّهَ بِالكُفَّارِ لِأَنَّهُمْ يَتَّخِذُوْنَ الصُّوَرَ فِي بُيُوْتِهِمْ وَيُعَظِّمُوْنَهَا، فَكَرِهَتِ المَلَائِكَةُ ذَلِكَ فَلَمْ تَدْخُلْ بَيْتَهُ هَجْرًا لَهُ لِذَلِكَ).
(٣) البُخَارِيُّ (٥٩٥٨).
(٤) قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (٨٤/ ١٤): (وَأَمَّا هَؤُلَاءِ المَلَائِكَةُ الَّذِيْنَ لَا يَدْخُلُوْنَ بَيْتًا فِيْهِ كَلْبٌ أَوْ صُوْرَةٌ فَهُمْ مَلَائِكَةٌ يَطُوْفُوْنَ بِالرَّحْمَةِ وَالتَّبْرِيْكِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَأَمَّا الحَفَظَةُ فَيَدْخُلُوْنَ فِي كُلّ بَيْتٍ؛ وَلَا يُفَارِقُوْنَ بَنِي آدَمَ فِي كُلِّ حَالٍ، لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُوْنَ بِإِحْصَاءِ أَعْمَالِهِمْ وَكِتَابَتهَا.
قَالَ الخَطَّابِيُّ: وَإِنَّمَا لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيْهِ كَلْبٌ أَوْ صُوْرَةٌ مِمَّا يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ مِنْ الكِلَابِ وَالصُّوَرِ، فَأَمَّا مَا لَيْسَ بِحِرَامٍ مِنْ كَلْبِ الصَّيْدِ وَالزَّرْعِ وَالمَاشِيَةِ وَالصُوْرَةِ الَّتِيْ تُمْتَهَنُ فِي البِسَاطِ وَالوِسَادَةِ وَغَيْرِهِمَا فَلَا يَمْتَنِع دُخُوْلُ المَلَائِكَةِ بِسَبَبِهِ.
وَأَشَارَ القَاضِي إِلَى نَحْوِ مَا قَالَهُ الخَطَّابِيُّ، وَالأَظْهَر أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ كَلْبٍ، وَكُلِّ صُوْرَةٍ، وَأَنَّهُمْ يَمْتَنِعُوْنَ مِنْ الجَمِيْعِ لِإِطْلَاقِ الأَحَادِيْثِ، وَلِأَنَّ الجِرْوَ الَّذِيْ كَانَ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ تَحْتَ السَّرِيْرِ كَانَ لَهُ فِيْهِ عُذْرٌ ظَاهِرٌ - فَإِنَّهُ لَمْ يَعْلَم بِهِ - وَمَعَ هَذَا امْتَنَعَ جِبْرِيْلُ ﷺ مِنْ دُخُوْلِ البَيْتِ وَعَلَّلَ بِالجِرْوِ، فَلَوْ كَانَ العُذْرُ فِي وُجُوْدِ الصُوْرَةِ وَالكَلْبِ لَا يَمْنَعهُمْ لَمْ يَمْتَنِعْ جِبْرِيْلُ. وَالله أَعْلَمُ).
قُلْتُ: وَكَمَا فِي الحَدِيْثِ (إِنَّ للهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِيْنَ فِي الأَرْضِ فُضُلًا عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُوْنَ اللهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى بُغْيَتِكُمْ، فَيَجِيْئُوْنَ؛ فَيَحُفُّوْنَ بِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا). صَحِيْحٌ. أَحْمَدُ (٧٤٢٤)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٣٦٠٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوْعًا. الصَّحِيْحَةُ (٣٥٤٠)، وَهُوَ فِي الصَّحِيْحَيْنِ أَيْضًا.
قُلْتُ - تَعْلِيْقًا عَلَى تَوْجِيْهِ النَّوَوِيِّ ﵀ الأَخِيْرِ -: وَلَكِنْ فِي الحَدِيْثِ (مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا - إِلَّا كَلْبًا ضَارِيًا لِصَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ - فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيْرَاطَانِ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٤٨١)، وَمُسْلِمٌ (١٥٧٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوْعًا.
قَالَ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ في الصَّحِيْحَةِ (٣٥٦): (السَّادِسُ: تَحْرِيْمُ اقْتِنَاءِ الكَلْبِ لِأَنَّهُ أَيْضًا سَبَبٌ يَمْنَعُ مِنْ دُخُوْلِ المَلَائِكَةِ، وَهَلْ يَمْنَعُ لَوْ كَانَ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ؟ الظَّاهِرُ: لَا؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الصُّوْرَةَ إِذَا كَانَتْ مُبَاحَةً لَا تَمْنَعُ أَيْضًا مِنْ دُخُوْلِ المَلَائِكَةِ بِدَلِيْلِ أَنَّ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تَقْتَنِي لُعَبَ البَنَاتِ، وَتَلْعَبُ بِهَا هِيَ وَرَفِيْقَاتُهَا عَلَى مَرْآةِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يُنْكِرُهَا عَلَيْهَا كَمَا ثَبَتَ فِي البُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ دُخُوْلِ المَلَائِكَةِ لَمَا أَقَرَّهَا ﷺ عَلَيْهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ).
قُلْتُ: وَلَكِنَّ إِطْلَاقَ الإِمَامِ النَّوَوِيِّ ﵀ فِي مَنْعِ دُخُوْلِ المَلَائِكَةِ قَدْ يَكُوْنُ مُتَّجِهًا وَصَحِيْحًا بِالنِّسْبَةِ لِكَلْبِ الصَّيْدِ وَالمَاشِيَةِ فِي البَيْتِ، لِأَنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا أُبِيْحُوا وُفْقَ وَجْهِ اسْتِعْمَالِهِم، بِمَعْنَى أَنَّ كَلْبَ المَاشِيَةِ لَا يَلْزَمُ مِنِ اقْتِنَائِهِ إِدْخَالُهُ البَيْتَ، وَكَذَا كَلْبُ الزَّرْعِ، فَكُلٌّ مَكَانُهُ فِي المَزْرَعَةِ أَوْ فِي البَرِّ حَيْثُ الصِّيْدِ لَا فِي البَيْتِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.

1 / 493