At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid
التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
- فَائِدَة ٢) قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ فِي كِتَابِهِ (القَوْلُ المُفِيْدُ) (١) فِيْمَنْ (يَقْتَنِي الصُّوَرَ لَا لِرَغْبَةٍ فِيْهَا إِطْلَاقًا، وَلَكِنَّهَا تَأْتِي تَبَعًا لِغَيْرِهَا - كَالتِيْ تَكُوْنُ فِي المَجَلَّاتِ وَالصُّحُفِ - وَلَا يَقْصِدُهَا المُقْتَنِي؛ وَإِنَّمَا يَقْصُدُ مَا فِي هَذِهِ المَجَلَّاتِ وَالصُّحُفِ مِنَ الأَخْبَارِ وَالبُحُوْثِ العِلْمِيَّةِ وَنَحْو ذَلِكَ; فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ; لِأَنَّ الصُّوَرَ فِيْهَا غَيْرُ مَقْصُوْدَةٍ، لَكِنْ إِنْ أَمْكَنَ طَمْسُهَا بِلَا حَرَجٍ وَلَا مَشَقَّةٍ; فَهُوَ أَوْلَى).
- فَائِدَة ٣) يَجُوْزُ الانْتِفَاعُ بِالبِسَاطِ أَوِ الثَّوْبِ الَّذِيْ فِيْهِ الصُوْرَةُ بِشَرْطِ طَمْسِ الوَجْهِ فِيْهَا، أَوْ تَقْطِيْعِهَا بِمَا تَذْهَبُ بِهِ مَعَالِمُ الصُوْرَةِ، وَلَا يَكْفِي كَوْنُهُ مُمْتَهَنًا، وَدَلَّ لِذَلِكَ حَدِيْثُ جِبْرِيْلَ وَفِيْهِ (أَنَّ جِبْرِيْلَ ﵇ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَعَرَفَ صَوْتَهُ فَقَالَ: (أُدْخُلْ)، فَقَالَ: إِنَّ فِي البَيْتِ سِتْرًا فِي الحَائِطِ فِيْهِ تَمَاثِيْلُ؛ فَاقْطَعُوا رُءُوْسَهَا فَاجْعَلُوْهَا بِسَاطًا أَوْ وَسَائِدَ فَاوْطَئُوْهُ؛ فَإِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيْهِ تَمَاثِيْلُ). (٢)
- فَائِدَة ٤) نَفْسُ التَّصْوِيْرِ أَشَدُّ تَحْرِيْمًا مِنْ اقْتِنَاءِ الصُوْرَةِ؛ وَذَلِكَ لِمَا جَاءَ فِيْهِ مِنْ نُصُوْصِ الوَعِيْدِ. (٣)
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (٤): (قَالَ أَصْحَابنَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ العُلَمَاءِ: تَصْوِيْرُ صُوْرَةِ الحَيَوَانِ حَرَامٌ شَدِيْدُ التَّحْرِيْمِ، وَهُوَ مِنَ الكَبَائِرِ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ بِهَذَا الوَعِيْدِ الشَّدِيْدِ المَذْكُوْرِ فِي الأَحَادِيْثِ، وَسَوَاءً صَنَعَهُ بِمَا يُمْتَهَنُ أَوْ بِغَيْرِهِ؛ فَصَنْعَتُهُ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ فِيْهِ مُضَاهَاةً لِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى، وَسَوَاءً مَا كَانَ فِي ثَوْبٍ أَوْ بِسَاطٍ أَوْ دِرْهَمٍ أَوْ دِيْنَارٍ أَوْ فَلْسٍ أَوْ إِنَاءٍ أَوْ حَائِطٍ أَوْ غَيْرهَا.
وَأَمَّا تَصْوِيْرُ صُوْرَةِ الشَّجَرِ وَرِحَالِ الإِبِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِيْهِ صُوْرَةُ حَيَوَانٍ فَلَيْسَ بِحِرَامٍ - هَذَا حُكْمُ نَفْسِ التَصْوِيْرِ -، وَأَمَّا اتِّخَاذُ المُصَوَّرِ فِيْهِ صُوْرَةُ حَيَوَانٍ؛ فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى حَائِطٍ أَوْ ثَوْبًا مَلْبُوْسًا أَوْ عِمَامَةً وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعَدّ مُمْتَهَنًا فَهُوَ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ فِي بِسَاطٍ يُدَاسُ وَمِخَدَّةٍ وَوِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُمْتَهَنُ فَلَيْسَ بِحِرَامٍ). (٥)
(١) القَوْلُ المُفِيْدُ (٤٥٠/ ٢).
(٢) صَحِيْحٌ. أَحْمَدُ (٨٠٧٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. الصَّحِيْحَةُ (٣٥٦).
(٣) أَمَّا التَّحْنِيْطُ فَلَيْسَ فِيْهِ مَحْذُوْرٌ، وَيَجُوْزُ اقْتِنَاءُ المُحَنَّطِ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ.
وَفِي فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّوْرِ - شَرِيْط (١٢/ب) - مِنْ فَتَاوَى الشَّيْخِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
(السُؤَالُ: مَا هُوَ حُكْمُ تَحْنِيْطِ الحَيَوَانَاتِ كَالأَفْعَى وَغَيْرِهَا؟
الجَوَابُ: كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْ هَذَا، وَالجَوَابُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ التَّحْنِيْطُ لِلحَيَوَانِ - وَهُوَ حَيٌّ - فَفِيْهِ تَعْذِيْبٌ فَلَا يَجُوْزُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ المَوْتِ فَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ فِيْمَا نَعْلَمُ.
السَّائِلُ: وَالمُحَنَّطُ هَلْ يُوْضَعُ فِي البَيْتِ؟
الشَّيْخُ: مَا فِي مَانِع، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ صُوْرَةٌ).
قُلْتُ: وَقَصْدُ الشَّيْخِ ﵀ أَنَّهَا لَيْسَتِ الصُّوْرَةَ الَّتِيْ صَوَّرَهَا العَبْدُ - وَالَّتِيْ جَاءَ فِيْهَا النَّهْيُ - وَإِنَّمَا هِيَ الصُّوْرَةُ الَّتِيْ صَوَّرَهَا الرَّحْمَنُ تَعَالَى. وَاللهُ أَعْلَمُ.
(٤) شَرْحُ مُسْلِمٍ (٨١/ ١٤).
(٥) أَمَّا هَذِهِ الأَخِيرَةُ فَالرَّاجِحُ فِيْهَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - أَنَّهَا مَشْمُوْلَةٌ بِالنَّهِي، وَسَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَيْهَا فِي المَسَائِلِ إِنْ شَاءَ اللهُ.
1 / 489