481

At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

- الفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ) الخَوَارِجُ:
١) تَعْرِيْفُهَا:
هُمُ الَّذِيْنَ خَرَجُوا عَلَى وَلِيِّ الأَمْرِ فِي آخِرِ عَهْدِ عُثْمَانَ ﵁؛ ونتَجَ عَنْ خُرُوْجِهِم قَتْلُ عُثْمَانَ، ثُمَّ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ ﵁ زَادَ شَرُّهُم، وَانْشَقُّوا عَلَيْهِ، وَكَفَّرُوْهُ (١)، وَكَفَّرُوا الصَّحَابَةَ لِأَنَّهُم لَمْ يُوَافِقُوْهُم عَلَى مَذْهَبِهِم، وَهُمْ يَحْكُمُوْنَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُم فِي مَذْهَبِهِم أَنَّهُ كَافِرٌ.
وَأَبْرَزُ دُعَاتِهَا هُمْ دُعَاةُ التَّكْفِيْرِ بِالكَبِيْرَةِ؛ وَالخُرُوْجِ عَلَى الوُلَاةِ (٢) فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.
٢) نَشْأَتُهَا:
(أَوَّلُ البِدَعِ ظُهُوْرًا فِي الإِسْلَامِ؛ وَأَظْهَرُهَا ذَمًّا فِي السُّنَّةِ وَالآثَارِ: بِدْعَةُ الحَرُوْرِيَّةِ المَارِقَةِ؛ فَإِنَّ أَوَّلَهُمْ (٣) قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي وَجْهِهِ: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِهِمْ وَقِتَالِهِمْ، وَقَاتَلَهُمْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ). (٤)
٣) أَبْرَزُ بِدَعِهَا:
أ) عَدَمُ التِزَامِ جَمَاعَةِ المُسْلِميْنَ.
ب) الخُرُوْجُ عَلَى وَلِي الأَمْرِ (٥)، وَعَدَمُ طَاعَتِهِ. (٦)
جـ) التَّكْفِيْرُ بِالكَبَائِرِ؛ (٧) وَأَنَّ صَاحِبَهَا مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ.

(١) كَمَا أَنْشَدَ عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ الخَارِجِيُّ فِي قَاتِل عَلِيٍّ، فَقَالَ:
(يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بهَا ... إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي العَرْشِ رِضْوَانًا،
إِنِّي لَأَذْكُرُهُ حِيْنًا فَأَحْسِبُهُ ... أَوْفَى البَريَّةِ عِنْدَ اللهِ مِيْزَانًا). أَفَادَهُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي السِّيَرِ (٢١٥/ ٤) - عِنْدَ تَرْجَمَةِ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ-.
قُلْتُ: وَقَدْ رَدَّ هَذِهِ الأَبْيَاتَ بَعْضُهُم، فَقَالَ:
(يَا ضَرْبَةً مِنْ شَقِيٍّ لَمْ يَزَلْ أَبْدًا ... بِهَا عَلَيْهِ إِلَهُ الخَلْقِ غَضْبَانًا،
إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ اللهَ جَاعِلُهُ ... أَوْفَى البَرِيَّةِ عِنْدَ اللهِ خُسْرَانًا).
وَقَالَ غَيْرُهُ:
(يَا ضَرْبَةً مِنْ شَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا ... إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي العَرْشِ خُسْرَانًا،
إِنِّي لَأَذْكُرُهُ حِيْنًا فَألْعَنُهُ ... لَعْنًا وَأَلْعَنُ عِمْرَانَ بْنَ حِطَّانًا).
(٢) أَيْ: بِسَبَبِ الفِسْقِ كَمَا سَبَقَ.
(٣) وَهُوَ ذُو الخُوَيْصِرَةِ التَّمِيْمِيُّ. كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى (٤٩٦/ ٢٨).
(٤) مَجْمُوْعُ الفَتَاوَى (٧١/ ١٩).
(٥) وَسَبَبُهُ عِنْدَهُم الفِسْقُ، قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (٢٢٩/ ١٢): (وَأَمَّا الخُرُوْجُ عَلَيْهِم وَقِتَالُهُم - (أَيْ وُلَاةُ الأُمُوْرِ) - فَحَرَامٌ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِيْنَ - وَإِنْ كَانُوا فَسَقَةً ظَالِمِيْنَ -، وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الأَحَادِيْثُ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْتُهُ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ أنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ السُّلْطَانُ بِالفِسْقِ).
(٦) أَيْ عَدَمُ طَاعَةِ الإِمَامِ المُسْلِم إِذَا فَسَقَ، وَهَذَا القَوْلُ مَرْدُوْدٌ بِالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ كَمَا سَبَقَ.
وَأَمَّا الحَاكِمُ الكَافِرُ فَنَقُوْلُ: إِنَّهُ يُطَاعُ فِيْمَا هُوَ مِنَ المَعْرُوْفِ، كَأَنْظِمَةِ المُرُوْرِ وَقَوَانِيْنِ المُؤَسَّسَاتِ العَامَّةِ وَ.... مِمَّا هُوَ ظَاهِرُ فِي المَعْرُوْفِ وَالمَصْلَحَةِ العَامَّةِ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ.
وَفِي فَتَاوَى الشَّيْخِ عَبْدِ العَزِيْزِ بْنِ بَازٍ ﵀ (١١٩/ ٧):
(سُؤَالٌ: مَا حُكْمُ سَنِّ القَوَانِيْنِ الوَضْعِيَّةِ؟ وَهَلْ يَجُوْزُ العَمَلُ بِهَا؟ وَهَلْ يَكْفُرُ الحَاكِمُ بِسَنِّهِ هَذِهِ القَوَانِيْنَ؟
جَوَابٌ: إِذَا كَانَ القَانُوْنُ يُوَافِقُ الشَّرْعَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، مِثْلَ أَنْ يَسُنَّ قَانُوْنًا لِلطُّرُقِ يَنْفَعُ المُسْلِمِيْنَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأَشْيَاءِ الَّتِيْ تَنْفَعُ المُسْلِمِيْنَ - وَلَيْسَ فِيْهَا مُخَالَفَةٌ لِلشَّرْعِ - وَلَكِنْ لِتَسْهِيْلِ أُمُوْرِ المُسْلِمِيْنَ فَلَا بَأْسَ بِهَا. أَمَّا القَوَانِيْنُ الَّتِيْ تُخَالِفُ الشَّرْعَ فَلَا يَجُوْزُ سَنُّهَا، فَإِذَا سَنَّ قَانُوْنًا يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الزَّانِي، أَوْ لَا حَدَّ عَلَى السَّارِقِ، أَوْ لَا حَدَّ عَلَى شَارِبِ الخَمْرِ، فَهَذَا قَاُنوْنٌ بَاطِلٌ، وَإِذَا اسْتَحَلَّهُ الوَالِي كَفَرَ؛ لِكِوْنِهِ اسْتَحَلَّ مَا يُخَالِفُ النَّصَّ وَالإِجْمَاعَ، وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ اسْتَحَلَّ مَا حَرَّمَ اللهُ مِنَ المُحَرَّمَاتِ المُجْمَعِ عَلَيْهَا فَهُوَ يَكْفُرُ بِذَلِكَ.
سُؤَالٌ: كَيْفَ نَتَعَامَلُ مَعَ هَذَا الوَالِي؟
جَوَابٌ: نُطِيْعُهُ فِي المَعْرُوْفِ وَلَيْسَ فِي المَعْصِيَةِ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِالبَدِيْلِ).
(٧) فِي حِيْنِ أَنَّ أَهْلَ السَّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ يَرَوْنَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ نَاقِصُ الإِيْمَانِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: (مَنْ جَحَدَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فَقَدْ كَفَرَ. وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَحْكُمْ؛ فَهُوَ ظَالِمٌ فَاسِقٌ). أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي التَّفْسِيْرِ (٣٥٧/ ١٠). وَقَالَ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيْحَةِ (٢٥٥٢): (جَيِّدٌ فِي الشَّوَاهِدِ).

1 / 481