480

At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

- الفِرْقَةُ الأَوْلَى) القَدَرِيَّةُ:
١) تَعْرِيْفُهَا:
هُمُ الَّذِيْنَ يُنْكِرُوْنَ القَدَرَ، وَيَقُوْلُوْنَ: إِنَّ مَا يَجْرِي فِي هَذَا الكَوْنِ لَيْسَ بِقَدَرٍ وَقَضَاءٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ يَحْدُثُ بِفِعْلِ العَبْدِ، وَبُدُوْنِ سَابِقِ عِلْمٍ وَتَقْدِيْرٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى. (١)
وَقَدْ وَصَفَهُم النَّبِيُّ ﷺ بِمَجُوْسِ هَذِهِ الأُمَّةِ، كَمَا فِي الحَدِيْثِ (القَدَرِيَّةُ مَجُوْسُ هَذِهِ الأُمَّةِ). (٢)
وَأَبْرَزُ دُعَاتِهَا هُمْ دُعَاةُ الاعْتِزَالِ أَنْفُسُهُم؛ لِأَنَّ المُعْتَزِلَةَ قَدَرِيَّةٌ.
٢) نَشْأَتُهَا:
(رُوِيَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ ابْتَدَعَهُ بِالعِرَاقِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ يُقَالُ لَهُ (سِيْسَوَيْه) مِنْ أَبْنَاءِ المَجُوْسِ وَتَلَقَّاهُ عَنْهُ مَعْبَدٌ الجُهَنِّيُّ، وَيُقَالُ: أَوَّلُ مَا حَدَثَ فِي الحِجَازِ؛ لَمَّا احْتَرَقَتْ الكَعْبَةُ؛ فَقَالَ رَجُلٌ: احْتَرَقَتْ بِقَدَرِ اللهِ تَعَالَى. فَقَالَ آخَرُ: لَمْ يُقَدِّرْ اللهُ هَذَا.
وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ أَحَدٌ يُنْكِرُ القَدَرَ؛ فَلَمَّا ابْتَدَعَ هَؤُلَاءِ التَّكْذِيْبَ بِالقَدَرِ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ مَنْ بَقِيَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَوَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ). (٣)
٣) أَبْرَزُ بِدَعِهَا:
أ) أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يُقَدِّرْ عِنْدَهُ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَمْ يَعْلَمْ وَلَمْ يَكْتُبْ عِنْدَهُ - سُبْحَانَهُ - مَا سَيَكُوْنُ مِنْ أَفْعَالِ العِبَادِ.
ب) أَنَّ مَا يَقَعُ مِنْ مَعَاصِي العِبَادِ لَيْسَ بِمَشِيْئَةِ اللهِ تَعَالَى.
جـ) أَنَّ العَبْدَ يَخْلُقُ فِعْلَهُ. (٤)

(١) وَقَابَلَتْهُم فِرْقَةُ (الجَبْرِيَّةِ) الَّذِيْنَ يَقُوْلُوْنَ: إِنَّ العَبْدَ مَجْبُورٌ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَيْسَ لَهُ فِعْلٌ وَلَا اخْتِيَارٌ؛ وَإِنَّمَا هُوَ كَالرِّيْشَةِ الَّتِيْ تُحَرِّكُهَا الرِّيْحُ بِغَيرِ اخْتِيَارِهَا.
قَالَ ابْنُ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ العَقِيْدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ (ص١١٣): (وَسُمُّوا (قَدَرِيَّةً) لِإِنْكَارِهِمُ القَدَرَ، وَكَذَلِكَ تُسَمَّى الجَبْرِيَّةُ المُحْتَجُّوْنَ بِالقَدَرِ قَدَرِيَّةً أَيْضًا، وَالتَّسْمِيَةُ عَلَى الطَّائِفَةِ الأُوْلَى أَغْلَبُ).
(٢) صَحِيْحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٦٩١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوْعًا. صَحِيْحُ الجَامِعِ (٤٤٤٢).
(٣) مَجْمُوْعُ الفَتَاوَى (٣٨٤/ ٧).
(٤) قَالَ البَيهَقِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (السُّنَنُ الكُبْرَى) (٣٤٩/ ١٠): (إِنَّمَا سَمَّاهُمْ مَجُوْسًا لِمُضَاهَاةِ بَعْضِ مَا يَذْهَبُوْنَ إِلَيْهِ مَذَاهِبَ المَجُوْسِ فِي قَوْلِهِمْ بِالأَصْلَيْنِ - وَهُمَا النُّوْرُ وَالظُّلْمَةُ - يَزْعُمُوْنَ أَنَّ الخَيْرَ مِنْ فِعْلِ النُّوْرِ وَأَنَّ الشَّرَّ مِنْ فِعْلِ الظُّلْمَةِ، فَصَارُوا ثَنَوِيَّةً، كَذَلِكَ القَدَرِيَّةُ يُضِيْفُوْنَ الخَيْرَ إِلَى اللهِ وَالشَّرَّ إِلَى غَيْرِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى خَالِقُ الخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالأَمْرَانِ مَعًا مُضَافَانِ إِلَيْهِ خَلْقًا وَإِيجَادًا وَإِلَى الفَاعِلِيْنَ لَهُمَا مِنْ عِبَادِهِ فِعْلًا وَاكْتِسَابًا، هَذَا قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ الخَطَابِيِّ ﵀.
قُلْتُ: وَهُمْ فِي الحَقِيقةِ فَاقُوا المَجُوْسَ فِي هَذِهِ البِدْعَةِ لِأَنَّهُم أَثْبَتُوا خَالِقَيْنِ كُثُر بِعَدَدِ العِبَادِ.

1 / 480