458

At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

بَابُ مَا جَاءَ فِي مُنْكِرِي القَدَرِ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَاَلَّذِي نَفْسُ ابْنِ عُمَرَ بِيَدِهِ؛ لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، ثُمَّ أَنْفَقَهُ فِي سَبِيْلِ اللهِ مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْهُ؛ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (الإِيْمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ؛ وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ؛ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ الإِيْمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ؛ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيْبَكَ. سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: (إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ. فَقَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اُكْتُبْ مَقَادِيْرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُوْمَ السَّاعَةُ). يَا بُنَيَّ سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: (مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي). (٢)
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: (إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى القَلَمَ؛ فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ. فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ). (٣)
وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ وَهْبٍ؛ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: (فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ؛ أَحْرَقَهُ اللهُ بِالنَّارِ). (٤)
وَفِي المُسْنَدِ واَلسُّنَنِ عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ; قَالَ: (أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ القَدَرِ; فَحَدِّثْنِي بِشَيْءٍ لَعَلَّ اللهَ يُذْهِبُهُ مِنْ قَلْبِي، فَقَالَ: لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا؛ مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيْبَكَ، وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَكُنْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. قَالَ: فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُوْدٍ وَحُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ؛ فَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي بِمِثْلِ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ. حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي صَحِيْحِهِ. (٥)
فِيْهِ مَسَائِلُ:
الأُوْلَى: بَيَانُ فَرْضِ الإِيْمَانِ بِالقَدَرِ.
الثَّانِيَةُ: بَيَانُ كَيْفَيَّةِ الإِيْمَانِ.
الثَّالِثَةُ: إِحْبَاطُ عَمَلِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ.
الرَّابِعَةُ: الإِخْبَارُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَجِدُ طَعْمَ الإِيْمَانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِهِ.
الخَامِسَةُ: ذِكْرُ أَوَّلِ مَا خَلَقَ اللهُ.
السَّادِسَةُ: أَنَّهُ جَرَى بِالمَقَادِيْرِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
السَّابِعَةُ: بَرَاءَتُهُ ﷺ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ.
الثَّامِنَةُ: عَادَةُ السَّلَفِ فِي إِزَالَةِ الشُّبْهَةِ بِسُؤَالِ العُلَمَاءِ.
التَّاسِعَةُ: أَنَّ العُلَمَاءَ أَجَابُوْهُ بِمَا يُزِيْلُ شُبْهَتَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ نَسَبُوا الكَلَامَ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فَقَطْ.

(١) مُسْلِمٌ (٨).
وَالحَدِيْثُ بِتَمَامِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي القَدَرِ بِالبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ، فَقُلْنَا: لَوْ لَقِيْنَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُوْلُ هَؤُلَاءِ فِي القَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ دَاخِلًا المَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي - أَحَدُنَا عَنْ يَمِيْنِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ - فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الكَلَامَ إِلَيَّ فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُوْنَ القُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُوْنَ العِلْمَ - وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ - وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُوْنَ أَنْ لَا قَدَرَ وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ. قَالَ: فَإِذَا لَقِيْتَ أُوْلَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيْءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي. وَالَّذِيْ يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ؛ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيْدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيْدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ ..).
قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (كَشْفُ المُشْكِلِ مِنْ حَدِيْثِ الصَّحِيْحَيْنِ) (١٣٠/ ١): (قَوْلُهُ: (يَتَقَفَّرُوْنَ العِلْمَ): أَيْ: يَطْلُبُوْنَهُ وَيَتَّبِعُوْنَ أَثَرَهُ، يُقَالُ: فُلَانٌ يَتَقَفَّرُ الشَّيْءَ إِذَا طَلَبَهُ وَاجْتَهَدَ فِي البَحْثِ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ (يَزْعُمُوْنَ أَنْ لَا قَدَرَ): أَيْ: أَنَّ الأَشْيَاءَ لَمْ يَسْبِقْ تَقْدِيْرُهَا.
وَقَوْلُهُ (أَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ): أَيْ: مُسْتَأْنَفٌ؛ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيْهِ قَدَرٌ وَلَا مَشِيْئَةٌ، يُقَالُ: رَوْضَةٌ أُنُفٌ إِذَا كَانَتْ وَافِيَةَ الكَلَإِ لَمْ يُرْعَ مِنْهَا شَيْءٌ، وَيَعْنُوْنَ أَنَّ مَا نَعْمَلُهُ لَمْ يُقَدَّرْ).
(٢) صَحِيْحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٧٠٠)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢١٥٥). صَحِيْحُ الجَامِعِ (٢٠١٨).
(٣) صَحِيْحٌ. أَحْمَدُ (٢٢٧٠٥). قَالَ الشَّيْخُ شُعَيْبُ الأَرْنَؤُوطُ فِي تَحْقِيْقِ المُسْنَدِ: (حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ؛ وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ).
(٤) كِتَابُ (القَدَرِ) (١٢١/ ١) لِابْنِ وَهَبٍ.
(٥) صَحِيْحٌ. السُّنَّةُ (٢٤٥) لِابْنِ أَبي عَاصِمٍ، وَأَحْمَدُ فِي المُسْنَدِ (٢١٥٨٩)، وَابْنُ حَبَّانَ فِي صَحِيْحِهِ بِرَقَم (٧٢٧). ظِلَالُ الجَنَّةِ (٢٤٥).
مُلَاحَظَةٌ: لَمْ أَجِدِ الحَدِيْثَ عِنْدَ الحَاكِمِ.

1 / 458