459

At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

الشَّرْحُ
- قَوْلُهُ (مُنْكِرِي): أَصْلُهُ مُنْكِرِيْنَ، وَلَكِنْ حُذِفَتْ النُّوْنُ لِلإِضَافَةِ.
- قَوْلُهُ (القَدَر) (١): هُوَ تَقْدِيْرُ اللهِ ﷿ لِلكَائِنَاتِ، وَهُوَ سِرُّ مَكْتُوْمٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ، أَوْ مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ مِنْ خَلْقِهِ. (٢)
وَالقَدَرُ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ (٣):
١) التَّقْدِيْرِ؛ أَيْ: إِرَادَةُ اللهِ ﷿ الشَّيْءَ.
٢) المُقَدَّرِ; أَيْ: مَا قَدَّرَهُ اللهُ ﷿ أَنْ يَكُوْنَ.
- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوْحِيْدِ أَنَّ الإِيْمَانَ بِالقَدَرِ مُتَعَلِّقٌ بِتَوْحِيْدِ الرُّبُوْبِيَّةِ وَبِتَوْحِيْدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَلَا يَصِحُّ إِيْمَانُ عَبْدٍ أَصْلًا حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ؛ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَالإِيْمَانُ بِالقَدَرِ هُوَ إِيْمَانٌ بِكَمَالِ صِفَاتِ اللهَ تَعَالَى.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: (القَدَرُ قُدْرةُ اللهِ ﷿ عَلَى العِبَادِ). (٤)
- حُكْمُ مُنْكِرِ القَدَرِ: قَالَ الإِمَامُ اللَّالكَائِيُّ ﵀ في كِتَابِهِ (اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ) (٥): «رُوِيَ عِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ الحَسَنِ العَنْبَرِيِّ (٦): (يُسْتَتَابُوْنَ، فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا).
وَعَنْ سَعِيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ: (القَدَرِيَّةُ يَهُوْدٌ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ: القَدَرِيَّةُ نَصَارَى).
وَعَنْ نَافِعٍ - مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ -: (القَدَرِيَّةُ يُقْتَلُوْنَ)، وَحَكَى المُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ كَفَّرَهُم، وَعَنْ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ طَهْمَانَ (٧): (القَدَرِيَّةُ كُفَّارٌ).
وَعَنْ أَحْمِد بْنِ حَنْبَلٍ مِثَلَ قَوْلِ مَالِكٍ).

(١) القَدَرُ لُغَةً: هُوَ القَضَاءُ وَالحُكْمُ؛ وَمِنْهُ لَيْلَةُ القَدْرِ: أَيْ: لَيْلَةُ التَّقْدِيْرِ؛ وَيُمْكِنُ أَيْضًا: اللَّيْلَةُ ذَاتُ الشَّأْنِ.
(٢) كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنِ الخَضِرِ ﵇ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ عِلَّةَ أَفْعَالِهِ ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (الكَهْف:٨٢).
(٣) وَهَذَا لِكَوْنِ العَرَبِ تُطْلِقُ الاسْمَ عَلَى الفِعْلِ وَعَلَى المَفْعُوْلِ. وَسَيَأْتِي مَزِيْدُ بَيَانٍ لِهَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ.
(٤) أَخْرَجَهُ الخَلَّالُ فِي كِتَابِ (السُّنَّةُ) (٥٤٤/ ٣)، وَتَمَامُهُ؛ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللهِ سُئِلَ عَنِ القَدَرِ فَقَالَ: القَدَرُ قُدْرَةُ اللهِ ﷿ عَلَى العِبَادِ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنْ زَنَى فَبِقَدَرٍ؛ وَإِنْ سَرَقَ فَبِقَدَرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. اللهُ قَدَّرَهُ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: وَالمُرَادُ بِهَذَا بَيَانُ كَمَالِ رُبُوْبِيَّةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مَشِيْئَتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ لَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرَادَ مِنْهُ شَرْعًا ذَلِكَ! وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ إِرَادَةِ العَبْدِ وَهُوَ خَالِقُ آلَاتِهِ، وَبِهِمَا يَقَعُ الفِعْلُ مِنَ العَبْدِ، وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَمَنَعَهُ العَمَلَ، وَلَكِنْ قَضَتْ حِكْمَةُ اللهِ فِي ذَلِكَ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِيْنَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِيْنَ أَحْسَنُوا بِالحُسْنَى﴾ (النجم:٣١). وَسَيَأْتِي مَزِيْدُ بَيَانٍ لِهَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ.
(٥) اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ (٧٨١/ ٤).
(٦) قَاضٍ؛ مِنَ الفُقَهَاءِ العُلَمَاءِ بِالحَدِيْثِ، مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ، (مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِيْن)، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: مِنْ سَادَاتِهَا فِقْهًا وَعِلْمًا، (ت ١٦٨ هـ). الأَعْلَامُ لِلزِّرِكْلِيِّ (١٩٢/ ٤).
(٧) حَافِظٌ؛ مِنْ كِبَارِهِم فِي خُرَاسَانَ، (مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِيْن)، (ت ١٦٨ هـ). الأَعْلَامُ لِلزِّرِكْلِيِّ (٤٤/ ١).

1 / 459