وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف، ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع واختلفت واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات واتحد عنده ما تناقض عند غيره(٥).
ثالثاً، ومن النتائج المهمة هذه العلاقة الوثيقة بين القواعد الفقهية والمسائل الأصولية حيث لكل قاعدة من القواعد الفقهية أثر واضح في المسائل الأصولية. كما أن هناك صلة قربى بين القواعد الأصولية والفروع الفقهية وهو ما يسمى بتخريج الفروع على الأصول وهذا النوع من الدراسة تولاه العلماء قديماً وحديثاً لكن النوع الأول وهو أثر القواعد الفقهية بالمسائل الأصولية لم يبحث بحثاً مستقلاً حسبما أعلم. إلا ما كان من إشارات عابرة في مجالات التفريع كما فعل الأتاسي في شرح بعض القواعد وكما أشار السيوطي إلى البعض الآخر إشارات طفيفة.
وهذه العلاقة تضفي على القواعد الفقهية والمسائل المتفرعة عنها القوة والثبات خلافاً لمن يقول إن القواعد الفقهية غير ثابتة وإنما تتغير بحسب الأمور المبنية على العرف والعادة والمصالح المرسلة. وإذا تغيرت بعض الأحكام بتغير الزمان، كما هو مسلم، فلا يعني هذا أن القواعد الكلية تتغير أو أن كليتها تختل بتغير بعض فروعها لأن الذي يتغير لتغير الأزمان ويشذ عن القاعدة الكلية شيء نادر (والنادر لا حكم له)(٦) فلا تنخرم بخروجه الكليات.
رابعاً، ضرورة دراسة هذه القواعد على طريقة الفقه المقارن بين المذاهب وإلحاق أكثر ما يمكن إلحاقه من المسائل المتشابهة والفروع المتناظرة بقاعدة تخصها ثم بحثها بحثاً فقهياً مقارناً ومستفيضاً وترجيح الرأي الراجح أو ما كان أكثر ارتباطاً بالقاعدة. وإذا تيقن الباحث من أن المسألة التي يبحثها من فرع قاعدته ووجد فيها أقوالاً كثيرة كان الترجيح على ضوء القاعدة، ويعتبر أن القاعدة الكلية هي أقوى دليلاً من أي مستند آخر(٧).
خامساً، إن ما يلفت النظر هو أن فروع هذه القواعد الفقهية وبخاصة الكلية منها تكاد تكون موضع اتفاق عند مختلف المذاهب ولا يكاد يظهر الخلاف في هذه الفروع إلا نادراً لأمور
(٥) الفروق ٣/١.
(٦) قاعدة فقهية من قواعد الخادمي. ص ٣٢٥ والمجلة مادة (٤.٢).
(٧) لأن القاعدة ثبت اعتبارها بعموميات كثيرة من الشريعة فضلاً عن العقل والإجماع فهي أقوى من حديث بمفرده أو آية بمفردها وهذا شيء يعرفه من اشتغل بهذا الفن.